الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ . . . "
) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ لِخَاصٍّ مِنَ النَّاسِ ، وَمَعْنَاهُ : إِنْ تَكْفُرُوا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمْ لِعِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ الْكُفْرَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ يَعْنِي الْكُفَّارَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ، فَيَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَهُمْ عِبَادُهُ الْمُخْلِصُونَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ فَأَلْزَمَهُمْ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحَبَّبَهَا إِلَيْهِمْ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ قَالَ : لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكْفُرُوا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ ، وَمَعْنَاهُ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ تَكْفُرُوا ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ، وَلَا يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَكْفُرُوا بِهِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ : إِنْ تَكْفُرُوا بِاللَّهِ أَيُّهَا الْكَفَّارُ بِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ إِيمَانِكُمْ وَعِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ، بِمَعْنَى : وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ، كَمَا يُقَالُ : لَسْتُ أُحِبُّ الظُّلْمَ ، وَإِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَظْلِمَ فُلَانٌ فَلَانًا فَيُعَاقَبَ . وَقَوْلُهُ : وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ يَقُولُ : وَإِنْ تُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَتُطِيعُوهُ يَرْضَ شُكْرَكُمْ لَهُ ، وَذَلِكَ هُوَ إِيمَانُهُمْ بِهِ وَطَاعَتُهُمْ إِيَّاهُ ، فَكَنَّى عَنِ الشُّكْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْفِعْلَ الدَّالَّ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا بِمَعْنَى : فَزَادَهُمْ قَوْلُ النَّاسِ لَهُمْ ذَلِكَ إِيمَانًا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ قَالَ : إِنْ تُطِيعُوا يَرْضَهُ لَكُمْ . وَقَوْلُهُ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى يَقُولُ : لَا تَأْثَمُ آثِمَةٌ إِثْمَ آثِمَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا ، وَلَا تُؤَاخَذُ إِلَّا بِإِثْمِ نَفْسِهَا ، يُعَلِّمُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ أَنَّ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مَا جَنَتْ ، وَأَنَّهَا لَا تُؤَاخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَ : لَا يُؤْخَذُ أَحَدٌ بِذَنْبِ أَحَدٍ . وَقَوْلُهُ : ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ثُمَّ بَعْدَ اجْتِرَاحِكُمْ فِي الدُّنْيَا مَا اجْتَرَحْتُمْ مِنْ صَالِحٍ وَسَيِّئٍ ، وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ أَيُّهَا النَّاسُ ، إِلَى رَبِّكُمْ مَصِيرُكُمْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِكُمْ ، ( فَيُنَبِّئُكُمْ ) يَقُولُ : فَيُخْبِرُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ جَزَاءَكُمْ ، الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءَ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ ، يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ : فَاتَّقُوا أَنْ تَلْقُوا رَبَّكُمْ وَقَدْ عَمِلْتُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا لَا يَرْضَاهُ مِنْكُمْ فَتَهْلَكُوا ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَمَلُ عَامِلٍ مِنْكُمْ . وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا أَضْمَرَتْهُ صُدُورُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِمَّا لَا تُدْرِكُهُ أَعْيُنُكُمْ ، فَكَيْفَ بِمَا أَدْرَكَتْهُ الْعُيُونُ وَرَأَتْهُ الْأَبْصَارُ .
وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ وَعَزَّ بِذَلِكَ الْخَبَرَ عَنْ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ مُحْصٍ عَلَى عِبَادِهِ أَعْمَالَهُمْ ، لِيُجَازِيَهُمْ بِهَا كَيْ يَتَّقُوهُ فِي سِرِّ أُمُورِهِمْ وَعَلَانِيَتِهَا .