الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ . . . "
) ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴾( 17 ) ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ﴾( 18 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِهَؤُلَاءِ الْخَاسِرِينَ يَوْمَ الْقَيَّامَةِ فِي جَهَنَّمَ : مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كَهَيْئَةِ الظُّلَلِ الْمَبْنِيَّةِ مِنَ النَّارِ ( وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) يَقُولُ : وَمِنْ تَحْتِهِمْ مِنَ النَّارِ مَا يَعْلُوهُمْ ، حَتَّى يَصِيرَ مَا يَعْلُوهُمْ مِنْهَا مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلًا وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَهُمْ : مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ يَغْشَاهُمْ مِمَّا تَحْتَهُمْ فِيهَا مِنَ الْمِهَادِ . وَقَوْلُهُ : ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَذَا الَّذِي أَخْبَرْتُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِهِ ، مِمَّا لِلْخَاسِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ - تَخْوِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ لَكُمْ ، يُخَوِّفُكُمْ بِهِ لِتَحْذَرُوهُ ، فَتَجْتَنِبُوا مَعَاصِيَهُ ، وَتُنِيبُوا مِنْ كُفْرِكُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ ، وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، فَتَنْجُوا مِنْ عَذَابِهِ فِي الْآخِرَةِ ( فَاتَّقُونِ ) يَقُولُ : فَاتَّقَوْنِي بِأَدَاءِ فَرَائِضِي عَلَيْكُمْ ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيَّ ، لِتَنْجُوا مِنْ عَذَابِي وَسُخْطِي . وَقَوْلُهُ : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ : أَيِ اجْتَنَبُوا عِبَادَةَ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطَّاغُوتِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِ ذَلِكَ ، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الشَّيْطَانُ ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَنَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ قَالَ : الشَّيْطَانُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا قَالَ : الشَّيْطَانُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا قَالَ : الشَّيْطَانُ هُوَ هَاهُنَا وَاحِدٌ وَهِيَ جَمَاعَةٌ . وَالطَّاغُوتُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ هَذَا وَاحِدٌ مُؤَنَّثٌ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ : أَنْ يَعْبُدُوهَا . وَقِيلَ : إِنَّمَا أُنِّثَتْ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى جَمَاعَةٍ .
وَقَوْلُهُ : وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ يَقُولُ : وَتَابُوا إِلَى اللَّهِ وَرَجَعُوا إِلَى الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِهِ ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ، وَالْبَرَاءَةِ مِمَّا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا زَيْدٌ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ : وَأَقْبَلُوا إِلَى اللَّهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ قَالَ : أَجَابُوا إِلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : ( لَهُمُ الْبُشْرَى ) يَقُولُ : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الدُّنْيَا بِالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ مِنَ الْقَائِلِينَ ، فَيَتَّبِعُونَ أَرْشَدَهُ وَأَهْدَاهُ ، وَأَدَلَّهُ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ، وَيَتْرُكُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى رَشَادٍ ، وَلَا يَهْدِي إِلَى سَدَادٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) وَأَحْسَنُهُ طَاعَةُ اللَّهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : ( فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) قَالَ : أَحْسُنُ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ فَيَعْمَلُونَ بِهِ . وَقَوْلُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ، يَقُولُ : وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِلرَّشَادِ وَإِصَابَةِ الصَّوَابِ ، لَا الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ ، وَيَعْبُدُونَ مَا لَا يَضُرُّ ، وَلَا يَنْفَعُ .
وَقَوْلُهُ : وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ يَعْنِي : أُولِي الْعُقُولِ وَالْحِجَا . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَهْطٍ مَعْرُوفِينَ وَحَّدُوا اللَّهَ ، وَبَرِئُوا مِنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا دُونَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ يَمْدَحُهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا الْآيَتَيْنِ ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ : زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ نَزَلَ فِيهِمْ : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا نَبِيٍّ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ .