الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ "
) ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾( 55 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَقْبِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى رَبِّكُمْ بِالتَّوْبَةِ ، وَارْجِعُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ لَهُ ، وَاسْتَجِيبُوا لَهُ إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ ، وَإِفْرَادِ الْأُلُوهَةِ لَهُ ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ : أَيْ أَقْبِلُوا إِلَى رَبِّكُمْ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ( وَأَنِيبُوا ) قَالَ : أَجِيبُوا .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ قَالَ : الْإِنَابَةُ : الرُّجُوعُ إِلَى الطَّاعَةِ ، وَالنُّزُوعُ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ . وَقَوْلُهُ : ( وَأَسْلِمُوا لَهُ ) يَقُولُ : وَاخْضَعُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالدِّينِ الْحَنِيفِيِّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ . ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ يَقُولُ : ثُمَّ لَا يَنْصُرُكُمْ نَاصِرٌ ، فَيُنْقِذُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ النَّازِلِ بِكُمْ .
وَقَوْلُهُ : وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَاتَّبِعُوا أَيُّهَا النَّاسُ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ فِي تَنْزِيلِهِ ، وَاجْتَنِبُوا مَا نَهَاكُمْ فِيهِ عَنْهُ ، وَذَلِكَ هُوَ أَحْسَنُ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ شَيْءٍ ؟ قِيلَ لَهُ : الْقُرْآنُ كُلُّهُ حَسَنٌ ، وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ مَا تَوَهَّمْتَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : وَاتَّبِعُوا مِمَّا أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ رَبُّكُمْ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ ، وَالْمَثَلِ ، وَالْقَصَصِ ، وَالْجَدَلِ ، وَالْوَعْدِ ، وَالْوَعِيدِ أَحْسَنُهُ أَنْ تَأْتَمِرُوا لِأَمْرِهِ ، وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَى عَنْهُ ، لِأَنَّ النَّهْيَ مِمَّا أُنْزِلَ فِي الْكِتَابِ ، فَلَوْ عَمِلُوا بِمَا نُهُوا عَنْهُ كَانُوا عَامِلِينَ بِأَقْبَحِهِ ، فَذَلِكَ وَجْهُهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يَقُولُ : مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فِي الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ قَوْلُهُ : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً يَقُولُ : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ فَجْأَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ يَقُولُ : وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِهِ حَتَّى يَغْشَاكُمْ فَجْأَةً .