حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ . . . "

) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ، قَالُوا لَمَّا دُعُوا إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ : كَيْفَ نُؤْمِنُ وَقَدْ أَشْرَكْنَا وَزَنَيْنَا ، وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَاللَّهُ يَعِدُ فَاعِلَ ذَلِكَ النَّارَ ، فَمَا يَنْفَعُنَا مَعَ مَا قَدْ سَلَفَ مِنَّا الْإِيمَانُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَالُوا : يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ ، وَدَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ، وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ ، فَكَيْفَ نُهَاجِرُ وَنُسْلِمُ ، وَقَدْ عَبَدْنَا الْآلِهَةَ ، وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَنَحْنُ أَهْلُ الشِّرْكِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ يَقُولُ : لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَتِي ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا . وَقَالَ : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ وَإِنَّمَا يُعَاتِبُ اللَّهُ أُولِي الْأَلْبَابِ ، وَإِنَّمَا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ ، فَإِيَّاهُمْ عَاتَبَ ، وَإِيَّاهُمْ أَمَرَ إِنْ أَسْرَفَ أَحَدُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَقْنَطَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَأَنْ يُنِيبَ وَلَا يُبْطِئَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْرَافِ وَالذَّنْبِ الَّذِي عَمِلَ ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَأَلُوا اللَّهَ الْمَغْفِرَةَ ، فَقَالُوا : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يُصِيبُونَ الْإِسْرَافَ ، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ إِسْرَافِهِمْ .

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَالَ : قَتْلُ النَّفْسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : ثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ بِالْمَدِينَةِ فِي وَحْشِيٍّ وَأَصْحَابِهِ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ قَالَ : قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ قَالَ : إِنَّمَا هِيَ لِلْمُشْرِكِينَ .

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى بَلَغَ الذُّنُوبَ جَمِيعًا قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أُنَاسًا أَصَابُوا ذُنُوبًا عِظَامًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَشْفَقُوا أَنْ لَا يُتَابَ عَلَيْهِمْ ، فَدَعَاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالُوا : كَيْفَ نُجِيبُكَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ مَنْ زَنَى ، أَوْ قَتَلَ ، أَوْ أَشْرَكَ بِالرَّحْمَنِ كَانَ هَالِكًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ؟ فَكُلُّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ قَدْ عَمِلْنَاهَا ، فَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الْآيَةَ .

قَالَ : كَانَ قَوْمٌ مَسْخُوطِينَ فِي أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ قَالُوا : لَوْ أَتَيْنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : كَيْفَ يَقْبَلُكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَى دِينِهِ ؟ فَقَالُوا : أَلَا نَبْعَثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا ؟ فَلَمَّا بَعَثُوا ، نَزَلَ الْقُرْآنُ : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : تَجَالَسَ شُتَيْرُ بْنُ شَكَلٍ وَمَسْرُوقٌ فَقَالَ شُتَيْرٌ : إِمَّا أَنْ تُحَدِّثَ مَا سَمِعْتَ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأُصَدِّقَكَ ، وَإِمَّا أَنْ أُحَدِّثَ فَتُصَدِّقَنِي فَقَالَ مَسْرُوقٌ : لَا بَلْ حَدِّثْ فَأُصَدِّقَكَ . فَقَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنَّ أَكْبَرَ آيَةٍ فَرَجًا فِي الْقُرْآنِ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَقَالَ مَسْرُوقٌ : صَدَقْتَ .

وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ ، وَقَالُوا : تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ ، قَالُوا : وَهِيَ كَذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْهِجْرَةِ وَفَتَنُوهُمْ ، فَأَشْفَقُوا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ تَوْبَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ يَعْنِي عُمَرَ : كُنَّا نَقُولُ : مَا لِمَنِ افْتَتَنَ مِنْ تَوْبَةٍ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : مَا اللَّهُ بِقَابِلٍ مِنَّا شَيْئًا ، تَرَكْنَا الْإِسْلَامَ بِبَلَاءٍ أَصَابَنَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ . الْآيَةَ .

قَالَ عُمَرُ : فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي ، ثُمَّ بَعَثْتُ بِهَا إِلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ هِشَامٌ : فَلَمَّا جَاءَتْنِي جَعَلْتُ أَقْرَؤُهَا وَلَا أَفْهَمُهَا ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِينَا لِمَا كُنَّا نَقُولُ ، فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِالْمَدِينَةِ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَنَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا ثُمَّ فُتِنُوا وَعُذِّبُوا ، فَافْتَتَنُوا ، كُنَّا نَقُولُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا أَبَدًا ، قَوْمٌ أَسْلَمُوا ثُمَّ تَرَكُوا دِينَهُمْ بِعَذَابٍ عُذِّبُوهُ ، فَنَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَاتِبًا ، قَالَ : فَكَتَبَهَا بِيَدِهِ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، إِلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ ، فَأَسْلَمُوا وَهَاجَرُوا . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : ثَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَوْسَعُ ؟ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا .

وَنَحْوَهَا ، فَقَالَ عَلِيٌّ : مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَوْسَعُ مِنْ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَزْدِيِّ ، عَنْ أَبِي الْكَنُودِ قَالَ : دَخْلَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا قَاصٌّ يَذْكُرُ النَّارَ وَالْأَغْلَالَ ، قَالَ : فَجَاءَ حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِهِ ، فَقَالَ مَا يُذَكِّرُ ، أَتُقَنِّطُ النَّاسَ ؟ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ .

الْآيَةَ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ ، عَنِ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ قَالَ : هِيَ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ . حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : ثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي قُنْبُلٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ : ثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَلَّائِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ .

الْآيَةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَنْ أَشْرَكَ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ : أَلَا وَمَنْ أَشْرَكَ ، أَلَا وَمَنْ أَشْرَكَ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَ ذَلِكَ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَرَوْنَ أَهْلَ الْكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : ثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاذٍ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَرَى أَوْ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ حَسَنَاتِنَا إِلَّا وَهِيَ مَقْبُولَةٌ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قُلْنَا : مَا هَذَا الَّذِي يُبْطِلُ أَعْمَالَنَا ؟ فَقُلْنَا : الْكَبَائِرُ وَالْفَوَاحِشُ ، قَالَ : فَكُنَّا إِذَا رَأَيْنَا مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْهَا قُلْنَا : قَدْ هَلَكَ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَفَفْنَا عَنِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، فَكُنَّا إِذَا رَأَيْنَا أَحَدًا أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا خِفْنَا عَلَيْهِ ، إِنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهَا شَيْئًا رَجَوْنَا لَهُ .

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ جَمِيعَ مَنْ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالشِّرْكِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِقَوْلِهِ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ جَمِيعَ الْمُسْرِفِينَ ، فَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ مُسْرِفًا دُونَ مُسْرِفٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَيَغْفِرُ اللَّهُ الشِّرْكَ ؟ قِيلَ : نَعَمْ إِذَا تَابَ مِنْهُ الْمُشْرِكُ . وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ يَشَاءُ ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهُ : وَأَنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَثْنَى مِنْهُ الشِّرْكَ إِذَا لَمْ يَتُبْ مِنْهُ صَاحِبُهُ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ إِلَّا بَعْدَ تَوْبَةٍ بِقَوْلِهِ : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا .

فَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَإِنَّ صَاحِبَهُ فِي مَشِيئَةِ رَبِّهِ ، إِنْ شَاءَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ ، فَعَفَا لَهُ عَنْهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَدَلَ عَلَيْهِ فَجَازَاهُ بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ . كَذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ قَبْلُ فِيمَا مَضَى وَبَيَّنَّا مَعْنَاهُ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ عَلَى الذُّنُوبِ كُلِّهَا بِعَفْوِهِ عَنْ أَهْلِهَا وَتَرْكِهِ عُقُوبَتَهُمْ عَلَيْهَا إِذَا تَابُوا مِنْهَا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ بِهِمْ ، أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنْهَا .

موقع حَـدِيث