الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَتَرَى يَا مُحَمَّدُ الْمَلَائِكَةَ مُحَدِّقِينَ مِنْ حَوْلِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ ، وَيَعْنِي بِالْعَرْشِ : السَّرِيرَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ مُحَدِّقِينَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ قَالَ : مُحَدِّقِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ ، قَالَ : الْعَرْشُ : السَّرِيرُ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ مِنْ فِي قَوْلِهِ : حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ وَالْمَعْنَى : حَافِّينَ حَوْلَ الْعَرْشِ . وَفِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : أُدْخِلَتْ مِنْ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ تَوْكِيدًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، كَقَوْلِكَ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : قَبْلَ وَحَوْلَ وَمَا أَشْبَهُهُمَا ظُرُوفٌ تَدْخُلُ فِيهَا مِنْ وَتَخْرُجُ ، نَحْوُ : أَتَيْتُكَ قَبْلَ زَيْدٍ ، وَمِنْ قَبْلِ زَيْدٍ ، وَطُفْنَا حَوْلَكَ وَمِنْ حَوْلِكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ ، لِأَنَّ مَوْضِعَ مِنْ فِي قَوْلِهِمْ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ رَفْعٌ ، وَهُوَ اسْمٌ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مِنْ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ ، أَعْنِي فِي قَوْلِهِ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ وَمِنْ قَبْلِكَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ دَخَلَتْ عَلَى الظُّرُوفِ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى التَّوْكِيدِ .
وَقَوْلُهُ : يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يَقُولُ : يُصَلُّونَ حَوْلَ عَرْشِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ ، وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ الْبَاءَ أَحْيَانًا فِي التَّسْبِيحِ ، وَتَحْذِفُهَا أَحْيَانًا ، فَتَقُولُ : سَبِّحْ بِحَمْدِ اللَّهِ ، وَسَبِّحْ حَمْدَ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾. وَقَوْلُهُ : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ يَقُولُ : وَقَضَى اللَّهُ بَيْنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ جِيءَ بِهِمْ ، وَالشُّهَدَاءِ وَأُمَمِهَا بِالْعَدْلِ ، فَأَسْكَنَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ الْجَنَّةَ . وَأَهِلَ الْكُفْرِ بِهِ ، وَمِمَّا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ النَّارَ وَقِيلَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يَقُولُ : وَخُتِمَتْ خَاتِمَةُ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ بِالشُّكْرِ لِلَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَهُمُ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهِيَّةُ ، وَمَلَكَ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ مَلَكٍ وَجِنٍّ وَإِنْسٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْخَلْقِ .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ . الْآيَةَ ، كُلَّهَا قَالَ : فَتَحَ أَوَّلَ الْخَلْقِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَخَتَمَ بِالْحَمْدِ فَقَالَ : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّمَرِ