الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ "
) ﴿تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾( 2 ) ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾( 3 ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ( حم ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِنِ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، وَهُوَ الْحَاءُ وَالْمِيمُ مِنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبَّوَيْهِ الْمَرُوزِيُّ قَالَ : ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الر ، وَحم ، وَن ، حُرُوفُ الرَّحْمَنِ مُقَطَّعَةً . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَاسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( حم ) : قَسَمٌ أَقْسَمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ ( حم ) : مِنْ حُرُوفِ أَسْمَاءِ اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ( حم ) قَالَ : اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ حُرُوفُ هِجَاءٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ اسْمٌ ، وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَوْفَى الْعَبْسِيِّ : يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حم قَبْلَ التَّقَدُّمِ وَيَقُولُ الْكُمَيْتُ : وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ حَامِيمَ آيَةً تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ وَحُدِّثْتُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ : قَالَ يُونُسُ - يَعْنِي - الْجَرْمِيَّ : وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فَهُوَ مُنْكَرٌ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ ( حم ) سَاكِنَةُ الْحُرُوفِ ، فَخَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّهَجِّي ، وَهَذِهِ أَسْمَاءُ سُوَرٍ خَرَجَتْ مُتَحَرِّكَاتٍ ، وَإِذَا سُمِّيَتْ سُورَةٌ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْرُفِ الْمَجْزُومَةِ دَخْلَهُ الْإِعْرَابُ .
وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي نَظِيرُ الْقَوْلِ فِي أَخَوَاتِهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ( الم ) فَفِي ذَلِكَ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، إِذْ كَانَ الْقَوْلُ فِي حم ، وَجَمِيعِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ - أَعْنِي حُرُوفَ التَّهَجِّي - قَوْلًا وَاحِدًا . وَقَوْلُهُ : ﴿تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ ، الْعَلِيمِ بَمَا يَعْمَلُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَغَيْرِهَا تَنْزِيلُ هَذَا الْكِتَابِ . فَالتَّنْزِيلُ مَرْفُوعٌ بِقَوْلِهِ : ( مِنَ اللَّهِ ) .
وَفِي قَوْلِهِ : غَافِرِ الذَّنْبِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى يَغْفِرُ ذُنُوبَ الْعِبَادِ ، وَإِذَا أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ خَفْضُ غَافِرِ وَ قَابِلِ مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا مِنْ نِيَّةِ تَكْرِيرِ مِنْ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾، مِنْ غَافِرِ الذَّنْبِ ، وَقَابِلِ التَّوْبِ ؛ لِأَنَّ غَافِرَ الذَّنْبِ نَكِرَةٌ ، وَلَيْسَ بِالْأَفْصَحِ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْمَعْرِفَةِ ، وَهُوَ نَكِرَةٌ . وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ أَجْرَى فِي إِعْرَابِهِ - وَهُوَ نَكِرَةٌ - عَلَى إِعْرَابِ الْأَوَّلِ كَالنَّعْتِ لَهُ ؛ لِوُقُوعِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : ذِي الطَّوْلِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَتْبَعَ إِعْرَابَهُ - وَهُوَ نَكِرَةٌ - إِعْرَابَ الْأَوَّلِ ، إِذْ كَانَ مَدْحًا ، وَكَانَ الْمَدْحُ يَتْبَعُ إِعْرَابُهُ مَا قَبْلَهُ أَحْيَانًا ، وَيَعْدِلُ بِهِ عَنْ إِعْرَابِ الْأَوَّلِ أَحْيَانًا بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ سَمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزُرِ النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ وَالطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الْأُزُرِ وَكَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ فَرَفَعَ فَعَّالٌ وَهُوَ نَكِرَةٌ مَحْضَةٌ ، وَأَتْبَعَ إِعْرَابَ الْغَفُورِ الْوَدُودَ .
وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِ تَعَالَى ، إِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ لِذُنُوبِ الْعِبَادِ غَفُورًا مِنْ قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي حَالِ نُزُولِهَا ، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ عِنْدَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً وَنَعْتًا عَلَى الصِّحَّةِ . وَقَالَ : غَافِرِ الذَّنْبِ وَلَمْ يَقُلِ الذُّنُوبَ ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْفِعْلُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَقَابِلِ التَّوْبِ فَإِنَّ التَّوْبَ قَدْ يَكُونُ جَمْعَ تَوْبَةٍ ، كَمَا يُجْمَعُ الدَّوْمَةُ دَوْمًا وَالْعَوْمَةُ عَوْمًا مِنْ عَوْمَةِ السَّفِينَةِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : عَوْمَ السَّفِينَ فَلَمَّا حَالَ دُونَهُمُ وَقَدْ يَكُونُ مَصْدَرَ تَابَ يَتُوبُ تَوْبًا . وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ : إِنِّي قَتَلْتُ ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، اعْمَلْ وَلَا تَيْأَسْ ، ثُمَّ قَرَأَ : حم ﴿تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ .
وَقَوْلُهُ : شَدِيدِ الْعِقَابِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : شَدِيدٌ عِقَابُهُ لِمَنْ عَاقَبَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِصْيَانِ لَهُ ، فَلَا تَتَّكِلُوا عَلَى سِعَةِ رَحْمَتِهِ ، وَلَكِنْ كُونُوا مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ ، بِاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ ، وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، فَإِنَّهُ كَمَا أَنْ لَا يُؤَيِّسَ أَهْلَ الْإِجْرَامِ وَالْآثَامِ مِنْ عَفْوِهِ ، وَقَبُولِ تَوْبَةِ مَنْ تَابَ مِنْهُمْ مِنْ جُرْمِهِ ، كَذَلِكَ لَا يُؤَمِّنَهُمْ مِنْ عِقَابِهِ وَانْتِقَامِهِ مِنْهُمْ بِمَا اسْتَحَلُّوا مِنْ مَحَارِمِهِ ، وَرَكِبُوا مِنْ مَعَاصِيهِ . وَقَوْلُهُ : ذِي الطَّوْلِ يَقُولُ : ذِي الْفَضْلِ وَالنِّعَمِ الْمَبْسُوطَةِ عَلَى مَنْ شَاءَ مَنْ خَلْقِهِ . يُقَالُ مِنْهُ : إِنَّ فُلَانًا لَذُو طَوْلٍ عَلَى أَصْحَابِهِ ، إِذَا كَانَ ذَا فَضْلٍ عَلَيْهِمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ذِي الطَّوْلِ يَقُولُ : ذِي السَّعَةِ وَالْغِنَى . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ذِي الطَّوْلِ الْغِنَى .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ذِي الطَّوْلِ : أَيْ ذِي النِّعَمِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الطَّوْلُ : الْقُدْرَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فَى قَوْلِهِ ذِي الطَّوْلِ قَالَ : الطَّوْلُ الْقُدْرَةُ ، ذَاكَ الطَّوْلُ .
وَقَوْلُهُ : لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَقُولُ : لَا مَعْبُودَ تَصْلُحُ لَهُ الْعِبَادَةُ إِلَّا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ، الَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا سِوَاهُ ( إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِلَى اللَّهِ مَصِيرُكُمْ وَمَرْجِعُكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - فَإِيَّاهُ فَاعْبُدُوا ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْءٌ عَبَدْتُمُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ سِوَاهُ .