الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ . . . "
) ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴾( 11 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ يُنَادَوْنَ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا دَخَلُوهَا ، فَمَقَتُوا بِدُخُولِهِمُوهَا أَنْفُسَهُمْ حِينَ عَايَنُوا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : لَمَقْتُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ - أَيُّهَا الْقَوْمُ فِي الدُّنْيَا ، إِذْ تُدْعَوْنَ فِيهَا لِلْإِيمَانِ بِاللَّهِ فَتَكْفُرُونَ - أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمُ الْيَوْمَ أَنْفُسَكُمْ لِمَا حَلَّ بِكُمْ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ قَالَ : مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ حِينَ رَأَوْا أَعْمَالَهُمْ ، وَمَقْتُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا - إِذْ يُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ - فَيَكْفُرُونَ أَكْبَرُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ يَقُولُ : لَمَقْتُ اللَّهِ أَهْلَ الضَّلَالَةِ - حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ فِي الدُّنْيَا ، فَتَرَكُوهُ ، وَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا - أَكْبَرُ مِمَّا مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ ، حِينَ عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي النَّارِ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا ( فَتَكْفُرُونَ ) . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ .
الْآيَةَ ، قَالَ : لَمَّا دَخَلُوا النَّارَ مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ الَّتِي رَكِبُوهَا ، فَنُودُوا : إِنَّ مَقْتَ اللَّهِ إِيَّاكُمْ حِينَ دَعَاكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَشَدُّ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ حِينَ دَخَلْتُمُ النَّارَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ هَذِهِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ : لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ : هِيَ لَامُ الِابْتِدَاءِ ، كَأَنَّ يُنَادَوْنَ : يُقَالُ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ فِي النِّدَاءِ قَوْلٌ . قَالَ : وَمِثْلُهُ فِي الْإِعْرَابِ يُقَالُ : لَزَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : الْمَعْنَى فِيهِ : يُنَادَوْنَ إِنَّ مَقْتَ اللَّهِ إِيَّاكُمْ ، وَلَكِنَّ اللَّامَ تَكْفِي مِنْ أَنْ تَقُولَ فِي الْكَلَامِ : نَادَيْتُ أَنَّ زَيْدًا قَائِمٌ . قَالَ : وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴾ اللَّامُ بِمَنْزِلَةِ إِنَّ فِي كُلِّ كَلَامٍ ضَارَعَ الْقَوْلَ مِثْلُ يُنَادُونَ وَيُخْبِرُونَ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ : هَذِهِ لَامُ الْيَمِينِ ، تَدْخُلُ مَعَ الْحِكَايَةِ ، وَمَا ضَارَعَ الْحِكَايَةَ لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا ائْتِنَافٌ .
قَالَ : وَلَا يَجُوزُ فِي جَوَابَاتِ الْأَيْمَانِ أَنْ تَقُومَ مَقَامَ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ اللَّامَ كَانَتْ مَعَهَا النُّونُ أَوْ لَمْ تَكُنْ ، فَاكْتُفِيَ بِهَا مِنَ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقَعُ إِلَّا مَعَهَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : دَخَلَتْ لِتُؤْذِنَ أَنَّ مَا بَعْدَهَا ائْتِنَافٌ وَأَنَّهَا لَامُ الْيَمِينِ . وَقَوْلُهُ : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَلَكِنَّا نَذْكُرُ بَعْضَ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ أَمَاتَهُمُ الْمَوْتَةَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ . وَحُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فَى قَوْلِهِ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا .
الْآيَةَ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : هِيَ كَالَّتِي فِي الْبَقَرَةِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ قَالَ : ثَنَا عَبْثَرٌ قَالَ : ثَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : خَلَقْتَنَا وَلَمْ نَكُنْ شَيْئًا ثُمَّ أَمَتَّنَا ، ثُمَّ أَحْيَيْتَنَا .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالُوا : كَانُوا أَمْوَاتًا فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ فِيهِ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : أُمِيتُوا فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ أُحْيَوْا فِي قُبُورِهِمْ ، فَسُئِلُوا أَوْ خُوطِبُوا ، ثُمَّ أُمِيتُوا فِي قُبُورِهِمْ ، ثُمَّ أُحْيَوْا فِي الْآخِرَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : خَلَقَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ حِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ ، وَقَرَأَ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ( الْمُبْطِلُونَ ) قَالَ : فَنَسَّاهُمُ الْفِعْلَ ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ .
قَالَ : وَانْتَزَعَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِ آدَمَ الْقُصْرَى ، فَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاءَ ، ذَكَرُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً قَالَ : بَثَّ مِنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْحَامِ خَلْقًا كَثِيرًا ، وَقَرَأَ : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ قَالَ : خَلْقًا بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ : فَلَمَّا أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ ، أَمَاتَهُمْ ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَامِ ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا قَالَ : يَوْمَئِذٍ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . وَقَوْلُهُ : فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا يَقُولُ : فَأَقْرَرْنَا بِمَا عَمِلْنَا مِنَ الذُّنُوبِ فِي الدُّنْيَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ يَقُولُ : فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنَ النَّارِ لَنَا سَبِيلٌ ، لِنَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا ، فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فِيهَا .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ : فَهَلْ إِلَى كَرَّةٍ إِلَى الدُّنْيَا .