الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ) لِمَلَئِهِ : ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا فَيَمْنَعُهُ مِنَّا إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ يَقُولُ : إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُغَيِّرَ دِينَكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِسِحْرِهِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ : وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ : ( أَوْ أَنْ ) بِالْأَلِفِ ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ يَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَرَفْعِ الْفَسَادِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَسَادَ إِذَا أَظْهَرَهُ مُظْهِرٌ كَانَ ظَاهِرًا ، وَإِذَا ظَهَرَ فَبِإِظْهَارِ مُظْهِرِهِ يَظْهَرُ ، فَفِي الْقِرَاءَةِ بِإِحْدَى الْقَرَّاءَتَيْنِ فَى ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ مَعْنَى الْأُخْرَى .
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِي : ( أَوْ أَنْ يُظْهِرَ ) بِالْأَلْفِ وَبِحَذْفِهَا ، فَإِنَّهُمَا أَيْضًا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا بُدِّلَ إِلَى خِلَافِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ خِلَافَهُ الْمُبْدَلَ إِلَيْهِ الْأَوَّلَ هُوَ الظَّاهِرُ دُونَ الْمُبْدَلِ ، فَسَوَاءً عُطِفَ عَلَى خَبَرِهِ عَنْ خَوْفِهِ مِنْ مُوسَى أَنْ يُبَدِّلَ دِينَهُمْ بِالْوَاوِ أَوْ بَأَوْ ، لِأَنَّ تَبْدِيلَ دِينِهِمْ كَانَ عِنْدَهُ ظُهُورَ الْفَسَادِ ، وَظُهُورُ الْفَسَادِ كَانَ عِنْدَهُ هُوَ تَبْدِيلُ الدِّينِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِنَّ : إِنِّي أَخَافُ مِنْ مُوسَى أَنْ يُغَيِّرَ دِينَكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي أَرْضِكُمْ أَرْضِ مِصْرَ ، عِبَادَةَ رَبِّهِ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ ، وَذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُ هُوَ الْفَسَادُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) : أَيْ أَمْرَكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ وَالْفَسَادُ عِنْدَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ .