الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ . . . "
) ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾( 45 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الْمُؤْمِنِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ : فَسَتَذْكُرُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ إِذَا عَايَنْتُمْ عِقَابَ اللَّهِ قَدْ حَلَّ بِكُمْ ، وَلَقِيتُمْ مَا لَقِيتُمُوهُ صِدْقَ مَا أَقُولُ ، وَحَقِيقَةَ مَا أُخْبِرُكُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَوَ ذَلِكَ فِي الْأَخَرَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَوْلُهُ : ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ) يَقُولُ : وَأُسَلِّمُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ، وَأَجْعَلُهُ إِلَيْهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ الْكَافِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ قَالَ : أَجْعَلُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأُمُورِ عِبَادِهِ ، وَمَنِ الْمُطِيعُ مِنْهُمْ ، وَالْعَاصِي لَهُ ، وَالْمُسْتَحِقُّ جَمِيلَ الثَّوَابِ ، وَالْمُسْتَوْجِبُ سَيِّئَ الْعِقَابِ .
وَقَوْلُهُ : فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَدَفَعَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْمُؤْمِنِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِإِيمَانِهِ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ مُوسَى ، مَكْرُوهَ مَا كَانَ فِرْعَوْنُ يَنَالُ بِهِ أَهْلَ الْخِلَافِ عَلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْبَلَاءِ ، فَنَجَّاهُ مِنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا قَالَ : وَكَانَ قِبْطِيًّا مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ، فَنَجَا مَعَ مُوسَى ، قَالَ : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ مُوسَى يَوْمَئِذٍ يَسِيرُ وَيَقُولُ : أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ : أَمَامَكَ ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ : وَهَلْ أَمَامِي إِلَّا الْبَحْرُ ؟ فَيَقُولُ مُوسَى : لَا وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتَ ، ثُمَّ يَسِيرُ سَاعَةً وَيَقُولُ : أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ : أَمَامَكَ ، فَيَقُولُ : وَهَلْ أَمَامِي إِلَّا الْبَحْرُ ، فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ ، وَلَا كَذَبْتَ ، حَتَّى أَتَى عَلَى الْبَحْرِ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ ، فَانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا ، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ .
وَقَوْلُهُ : وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ يَقُولُ : وَحَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ؛ وَعَنَى بِآلِ فِرْعَوْنَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تُبَّاعَهُ وَأَهْلَ طَاعَتِهِ مِنْ قَوْمِهِ . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ قَالَ : قَوْمِ فِرْعَوْنَ . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : سُوءُ الْعَذَابِ : مَا سَاءَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ نَارُ جَهَنَّمَ .