الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ . . . "
) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ شَيْئًا ، وَهُوَ مِثْلُ الْكَافِرِ الَّذِي لَا يَتَأَمَّلُ حُجَجَ اللَّهِ بِعَيْنَيْهِ ، فَيَتَدَبَّرُهَا وَيَعْتَبِرُ بِهَا ، فَيَعْلَمُ وَحْدَانِيَّتَهُ وَقُدْرَتَهُ عَلَى خَلْقِ مَا شَاءَ مِنْ شَيْءٍ ، وَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُصَدِّقُ . وَالْبَصِيرُ الَّذِي يَرَى بِعَيْنَيْهِ مَا شُخِّصَ لَهُمَا وَيُبْصِرُهُ ، وَذَلِكَ مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَرَى بِعَيْنَيْهِ حُجَجَ اللَّهِ ، فَيَتَفَكَّرُ فِيهَا وَيَتَّعِظُ ، وَيَعْلَمُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ صَانِعِهِ ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ؛ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَلَا يَسْتَوِي أَيْضًا كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، الْمُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ ، وَلَا الْمُسِيءُ ، وَهُوَ الْكَافِرُ بِرَبِّهِ ، الْعَاصِي لَهُ ، الْمُخَالِفُ أَمْرَهُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ أَيُّهَا النَّاسُ حُجَجَ اللَّهِ ، فَتَعْتَبِرُونَ وَتَتَّعِظُونَ؛ يَقُولُ : لَوْ تَذَكَّرْتُمْ آيَاتِهِ وَاعْتَبَرْتُمْ ، لَعَرَفْتُمْ خَطَأَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ إِنْكَارِكُمْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِحْيَائِهِ مَنْ فَنِيَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَنَاءِ ، وَإِعَادَتِهِمْ لِحَيَاتِهِمْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِمْ ، وَعَلِمْتُمْ قُبْحَ شِرْكِكُمْ مَنْ تُشْرِكُونَ فِي عِبَادَةِ رَبِّكُمْ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( تَتَذَكَّرُونَ ) فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ : يَتَذَكَّرُونَ بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ : ( تَتَذَكَّرُونَ ) بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهِمَا صَوَابٌ .