الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "
) ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ﴾( 69 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ : هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ يَقُولُ قُلْ لَهُمْ : وَمِنْ صِفَتِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ بَعْدَ مَمَاتِهِ ، وَيُمِيتُ مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْأَحْيَاءِ بَعْدَ حَيَاتِهِ وَ إِذَا قَضَى أَمْرًا يَقُولُ : وَإِذَا قَضَى كَوْنَ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُ تَكْوِينَهَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ يَعْنِي لِلَّذِي يُرِيدُ تَكْوِينَهُ كُنْ ، فَيَكُونُ مَا أَرَادَ تَكْوِينَهُ مَوْجُودًا بِغَيْرَ مُعَانَاةٍ ، وَلَا كُلْفَةِ مُؤْنَةٍ . وَقَوْلُهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ﴾ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ ، الَّذِينَ يُخَاصِمُونَكَ فِي حُجَجِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ يَقُولُ : أَيُّ وَجْهٍ يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ ، وَيَعْدِلُونَ عَنِ الرُّشْدِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّى يُصْرَفُونَ : أَنَّى يَكْذِبُونَ وَيَعْدِلُونَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَنَّى يُصْرَفُونَ قَالَ : يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَوْا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهَا أَهْلَ الْقَدَرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَا ثَنَا مُؤَمِّلٌ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ .
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْقَدَرِيَّةِ ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ . حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : ثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : إِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلَ الْقَدَرِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ فَلَا عِلْمَ لَنَا بِهِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَبِي الْخَيْرِ الزِّيَادِيُّ ، عَنْ أَبِي قُبَيْلٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَقَبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : سَيُهْلَكُ مِنْ أُمَّتِي أَهْلُ الْكِتَابِ ، وَأَهْلُ اللِّينِ فَقَالَ عُقْبَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا أَهْلُ الْكِتَابِ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ كِتَابَ اللَّهِ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا فَقَالَ عَقَبَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا أَهْلُ اللِّينِ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ ، وَيُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ .
قَالَ أَبُو قُبَيْلٍ : لَا أَحْسَبُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إِلَّا الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَأَمَّا أَهْلُ اللِّينِ ، فَلَا أَحْسَبُهُمْ إِلَّا أَهْلَ الْعَمُودِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِمَامُ جَمَاعَةٍ ، وَلَا يَعْرِفُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهِ أَهْلَ الشِّرْكِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ﴾ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ؛ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا .