الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَفَلَمْ يَسِرْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ فِي الْبِلَادِ ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ سَفَرٍ إِلَى الشَّامِ وَالْيَمَنِ ، رِحْلَتَهُمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، فَيَنْظُرُوا فِيمَا وَطِئُوا مِنَ الْبِلَادِ إِلَى وَقَائِعِنَا بِمَنْ أَوْقَعَنَا بِهِ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ ، وَيَرَوْا مَا أَحْلَلْنَا بِهِمْ مِنْ بَأْسِنَا بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنَا ، وَجُحُودِهِمْ آيَاتِنَا ، كَيْفَ كَانَ عُقْبَى تَكْذِيبِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ يَقُولُ : كَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِيكَ مِنْ قُرَيْشٍ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَشَدَّ بَطْشًا ، وَأَقْوَى قُوَّةً ، وَأَبْقَى فِي الْأَرْضِ آثَارًا ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَيَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ . وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَآثَارًا فِي الأَرْضِ الْمَشْيُ بِأَرْجُلِهِمْ . ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ يَقُولُ : فَلَمَّا جَاءَهُمْ بَأْسُنَا وَسَطْوَتُنَا ، .
لَمْ يُغْنِ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الْبُيُوتِ فِي الْجِبَالِ ، وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا . وَلَكِنَّهُمْ بَادُوا جَمِيعًا فَهَلَكُوا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ فَأَيُّ شَيْءٍ أَغْنَى عَنْهُمْ؛ وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا الْأُولَى فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، وَالثَّانِيَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ .
يَقُولُ : فَلِهَؤُلَاءِ الْمُجَادَلِيكَ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ فِي أُولَئِكَ مُعْتَبَرٌ إِنِ اعْتَبَرُوا ، وَمُتَّعَظٌ إِنِ اتَّعَظُوا ، وَإِنَّ بَأْسَنَا إِذَا حَلَّ بِالْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَمْ يَدْفَعْهُ دَافِعٌ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ ، وَهُوَ بِهِمْ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا إِلَى تَصْدِيقِكَ وَاقِعٌ .