الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . . . "
) ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾( 80 ) ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ﴾( 81 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ( اللَّهُ ) الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْأُلُوهَةُ إِلَّا لَهُ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي يَقْتَنِيهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ لِمَرْكَبٍ أَوْ لِمَطْعَمٍ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا يَعْنِي : الْخَيْلَ وَالْحَمِيرَ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ . وَقَالَ : لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمَعْنَاهُ : لِتَرْكَبُوا مِنْهَا بَعْضًا وَمِنْهَا بَعْضًا تَأْكُلُونَ ، فَحَذَفَ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَا حَذَفَ . وَقَوْلُهُ : وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَذَلِكَ أَنْ جَعْلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِهَا بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ، وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ، وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ .
وَقَوْلُهُ : وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ يَقُولُ : وَلِتَبْلُغُوا بِالْحُمُولَةِ عَلَى بَعْضِهَا ، وَذَلِكَ الْإِبِلُ حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهَا لَوْلَا هِيَ ، إِلَّا بِشِقِّ أَنْفُسِكُمْ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ يَعْنِي الْإِبِلَ تَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ . حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ لِحَاجَتِكُمْ مَا كَانَتْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَعَلَيْهَا ) يَعْنِي : وَعَلَى هَذِهِ الْإِبِلِ ، وَمَا جَانَسَهَا مِنَ الْأَنْعَامِ الْمَرْكُوبَةِ وَعَلَى الْفُلْكِ يَعْنِي : وَعَلَى السُّفُنِ ( تُحْمَلُونَ ) يَقُولُ نَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذِهِ فِي الْبَرِّ ، وَعَلَى هَذِهِ فِي الْبَحْرِ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ يَقُولُ : وَيُرِيكُمْ حُجَجَهُ ، فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ يَقُولُ : فَأَيَّ حُجَجِ اللَّهِ الَّتِي يُرِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ تُنْكِرُونَ صِحَّتَهَا ، فَتُكَذِّبُونَ مِنْ أَجْلِ فَسَادِهَا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَتَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا .