الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا . . . "
) ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾( 11 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي خَلَقَ فِي يَوْمَيْنِ جِبَالًا رَوَاسِيَ ، وَهِيَ الثَّوَابِتُ فِي الْأَرْضِ مِنْ فَوْقِهَا ، يَعْنِي : مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ عَلَى ظَهْرِهَا . وَقَوْلُهُ : وَبَارَكَ فِيهَا يَقُولُ : وَبَارَكَ فِي الْأَرْضِ فَجَعَلَهَا دَائِمَةَ الْخَيْرِ لِأَهْلِهَا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَبَارَكَ فِيهَا قَالَ : أَنْبَتَ شَجَرَهَا .
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَ أَهْلِهَا بِمَعْنَى أَرْزَاقِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : أَرْزَاقُهَا . حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : قَدَّرَ فِيهَا أَرْزَاقَ الْعِبَادِ ، ذَلِكَ الْأَقْوَاتُ .
حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا يَقُولُ : أَقْوَاتَهَا لِأَهْلِهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَقُدِّرَ فِيهَا مَا يُصْلِحُهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ دَعْلَجٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : صَلَاحُهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَقَدَّرَ فِيهَا جِبَالَهَا وَأَنْهَارَهَا وَأَشْجَارَهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا : خَلَقَ فِيهَا جِبَالَهَا وَأَنْهَارَهَا وَبِحَارَهَا وَشَجَرَهَا ، وَسَاكِنَهَا مِنَ الدَّوَابِّ كُلِّهَا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : جِبَالَهَا وَدَوَابَّهَا وَأَنْهَارَهَا وَبِحَارَهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا مِنَ الْمَطَرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : مِنَ الْمَطَرِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَقَدَّرَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مِنْهَا مَا لَمْ يَجْعَلْهُ فِي الْآخَرِ مِنْهَا لِمَعَاشِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِالتِّجَارَةِ مِنْ بَلْدَةٍ إِلَى بَلْدَةٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ قَالَ : ثَنَا أَبُو مِحْصَنٍ قَالَ : ثَنَا حُسَيْنٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : الْيَمَانِيُّ بِالْيَمَنِ ، وَالسَّابِرَيُّ بِسَابُورَ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو مِحْصَنٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ عِكْرِمَةُ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا الْيَمَانِيَّةَ بِالْيَمَنِ ، وَالسَّابِرِيَّةَ بِسَابُورَ ، وَأَشْبَاهَ هَذَا . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ حُصَيْنًا عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : فِي كُلِّ أَرْضٍ قُوتٌ لَا يَصْلُحُ فِي غَيْرِهَا ، الْيَمَانِيُّ بِالْيَمَنِ ، وَالسَّابِرِيُّ بِسَابُورَ .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : الْبَلَدُ يَكُونُ فِيهِ الْقُوتُ أَوِ الشَّيْءُ لَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ السَّابِرِيَّ إِنَّمَا يَكُونُ بِسَابُورَ ، وَأَنَّ الْعَصَبَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَمَنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ . حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَيْفٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ خَصِيفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : السَّابِرَيُّ بِسَابُورَ ، وَالطَّيَالِسَةُ مِنِ الرَّيِّ . حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ قَالَ : ثَنَا أَبُو النَّضْرِ صَاحِبُ الْبَصْرِيِّ قَالَ : ثَنَا أَبُو عَوَانَةُ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : السَّابِرَيَّ بِسَابُورٍ ، وَالطَّيَالِسَةَ مِنِ الرَّيِّ .
فَى قَوْلِهِ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا قَالَ : السَّابِرَيَّ مِنْ سِابُورَ ، وَالطَّيَالِسَةَ مِنِ الرَّيِّ ، وَالْحِبَرَ مِنَ الْيَمَنِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ فِي الْأَرْضِ أَقْوَاتَ أَهْلِهَا ، وَذَلِكَ مَا يَقُوتُهُمْ مِنَ الْغِذَاءِ ، وَيُصْلِحُهُمْ مِنَ الْمَعَاشِ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا أَنَّهُ قَدَّرَ فِيهَا قُوتًا دُونَ قُوتٍ ، بَلْ عَمَّ الْخَبَرُ عَنْ تَقْدِيرِهِ فِيهَا جَمِيعَ الْأَقْوَاتِ ، وَمِمَّا يَقُوتُ أَهْلَهَا مَا لَا يُصْلِحُهُمْ غَيْرُهُ مِنَ الْغِذَاءِ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْمَطَرِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْبِلَادِ لِمَا خَصَّ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، وَمِمَّا أَخْرَجَ مِنَ الْجِبَالِ مِنَ الْجَوَاهِرِ ، وَمِنَ الْبَحْرِ مِنَ الْمَأْكَلِ وَالْحُلِيِّ ، وَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ أَصَحُّ مِمَّا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : قُدِّرَ فِي الْأَرْضِ أَقْوَاتُ أَهْلِهَا ، لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ . وَقَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَرَغَ مِنْ خَلْقِ الْأَرْضِ وَجَمِيعِ أَسْبَابِهَا وَمَنَافِعِهَا مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْمَاءِ وَالْمَدَائِنِ وَالْعُمْرَانِ وَالْخَرَابِ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، أَوَّلُهُنَّ يَوْمُ الْأَحَدِ ، وَآخِرُهُنَّ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ .
حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : خَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا وَأَقْوَاتَ أَهْلِهَا وَشَجَرَهَا وَمَا يَنْبَغِي لَهَا فِي يَوْمَيْنِ ، فِي الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : قَالَ . خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، لِأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا مَعَ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، كَمَا تَقُولُ : تَزَوَّجْتُ أَمْسِ امْرَأَةً ، وَالْيَوْمَ ثِنْتَيْنِ ، وَإِحْدَاهُمَا الَّتِي تَزَوَّجْتُهَا أَمْسِ .
وَقَوْلُهُ : سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : سَوَاءٌ لِمَنْ سَأَلَ عَنْ مَبْلَغِ الْأَجَلِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الْأَرْضَ ، وَجَعَلَ فِيهَا الرَّوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَالْبَرَكَةَ ، وَقَدَّرَ فِيهَا الْأَقْوَاتَ بِأَهْلِهَا ، وَجَدَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَرْبَعَهَ أَيَّامٍ لَا يَزِدْنَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَنْقُصْنَ مِنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ وَجَدَهُ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ قَالَ : مَنْ سَأَلَ فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : ثَنَا عَمْرٌو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ يَقُولُ : مَنْ سَأَلَ فَهَكَذَا الْأَمْرُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : سَوَاءً لِمَنْ سَأَلَ رَبَّهُ شَيْئًا مِمَّا بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَ لَهُ مِنَ الْأَقْوَاتِ فِي الْأَرْضِ ، عَلَى قَدْرِ مَسْأَلَةِ كُلِّ سَائِلٍ مِنْهُمْ لَوْ سَأَلَهُ لَمَا نَفَذَ مِنْ عِلْمِهِ فِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ قَالَ : قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَسَائِلِهِمْ ، يَعْلَمُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ مَسَائِلِهِمْ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ قَدْ عَلِمَهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرُ أَبِي جَعْفَرٍ وَالْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ : ( سَوَاءً ) بِالنُّصْبِ . وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ : سَوَاءٌ بِالرَّفْعِ .
وَقَرَأَ الْحَسَنُ : سَوَاءٍ بِالْجَرِّ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ، وَذَلِكَ قِرَاءَتُهُ بِالنَّصْبِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ ، وَلِصِحَّةِ مَعْنَاهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا سَوَاءً لِسَائِلِيهَا عَلَى مَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ ، وَعَلَى مَا يُصْلِحُهُمْ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : وَقَسَّمَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ سَوَاءً ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : مَنْ نَصَبَهُ جَعَلَهُ مَصْدَرًا ، كَأَنَّهُ قَالَ : اسْتِوَاءً . قَالَ : وَقَدْ قُرِئَ بِالْجَرِّ وَجُعِلَ اسْمًا لِلْمُسْتَوَيَاتِ : أَيْ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ تَامَّةٍ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : مَنْ خَفَضَ سَوَاءً ، جَعَلَهَا مِنْ نَعْتِ الْأَيَّامِ ، وَإِنْ شِئْتَ مِنْ نَعْتِ الْأَرْبَعَةِ ، وَمَنْ نَصَبَهَا جَعَلَهَا مُتَّصِلَةً بِالْأَقْوَاتِ . قَالَ : وَقَدْ تُرْفَعُ كَأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ ، كَأَنَّهُ قَالَ : ذَلِكَ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ يَقُولُ : لِمَنْ أَرَادَ عِلْمَهُ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ إِذَا نُصِبَ حَالًا مِنَ الْأَقْوَاتِ ، إِذْ كَانَتْ سَوَاءٌ قَدْ شُبِّهَتْ بِالْأَسْمَاءِ النَّكِرَةِ ، فَقِيلَ : مَرَرْتُ بِقَوْمٍ سَوَاءٍ ، فَصَارَتْ تَتْبَعُ النَّكِرَاتِ ، وَإِذَا تَبِعَتِ النَّكِرَاتِ انْقَطَعَتْ مِنَ الْمَعَارِفِ فَنُصِبَتْ ، فَقِيلَ : مَرَرْتُ بِإِخْوَتِكَ سَوَاءً ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِذَا لَمْ يَدْخُلْهَا تَثْنِيَةٌ وَلَا جَمْعٌ أَنْ تُشَبَّهَ بِالْمَصَادِرِ .
وَأَمَّا إِذَا رُفِعَتْ ، فَإِنَّمَا تُرْفَعُ ابْتِدَاءً بِضَمِيرِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ ، وَإِذَا جُرَّتْ فَعَلَى الِاتِّبَاعِ لِلْأَيَّامِ أَوْ لِلْأَرْبَعَةِ . وَقَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَقَوْلُهُ : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَقَالَ اللَّهُ لِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ : جِيئَا بِمَا خَلَقْتُ فِيكُمَا ، أَمَّا أَنْتِ يَا سَمَاءُ فَأَطْلِعِي مَا خَلَقْتُ فِيكِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ ، وَأَمَّا أَنْتِ يَا أَرْضُ فَأَخْرِجِي مَا خَلَقْتُ فِيكِ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ ، وَتَشَّقَّقِي عَنِ الْأَنْهَارِ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ جِئْنَا بِمَا أَحْدَثْتَ فِينَا مِنْ خَلْقِكَ ، مُسْتَجِيبِينَ لِأَمْرِكَ لَا نَعْصِي أَمْرَكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ لِلسَّمَوَاتِ : أَطْلِعِي شَمْسِي وَقَمَرِي ، وَأَطْلِعِي نُجُومِي ، وَقَالَ لِلْأَرْضِ : شَقِّقِي أَنْهَارَكِ وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ ، فَقَالَتَا : أَعْطَيْنَا طَائِعِينَ .
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ ( ائْتِيَا ) : أَعْطِيَا . وَفِي قَوْلِهِ : قَالَتَا أَتَيْنَا قَالَتَا : أَعْطَيْنَا . وَقِيلَ : أَتَيْنَا طَائِعِينَ ، وَلَمْ يَقُلْ طَائِعَتَيْنِ ، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُؤَنَّثَتَانِ ، لِأَنَّ النُّونَ وَالْأَلِفَ اللَّتَيْنِ هَمَا كِنَايَةُ أَسْمَائِهِمَا فِي قَوْلِهِ ( أَتَيْنَا ) نَظِيرُهُ كِنَايَةُ أَسْمَاءِ الْمُخْبِرِينَ مِنَ الرِّجَالِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَأَجْرَى قَوْلَهُ ( طَائِعِينَ ) عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْخَبَرُ عَنِ الرِّجَالِ كَذَلِكَ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ : ذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَكَلَّمَتَا أَشْبَهَتَا الذُّكُورَ مِنْ بَنِي آدَمَ .