الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ "
) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 9 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ ، وَذَلِكَ هُوَ الصَّالِحَاتُ مِنَ الْأَعْمَالِ . لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يَقُولُ : لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْرٌ غَيْرُ مَنْقُوصٍ عَمَّا وَعَدَهُمْ أَنَّ يَأْجُرَهُمْ عَلَيْهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَقَدْ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قَالَ بَعْضُهُمْ : غَيْرُ مَنْقُوصٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْهِمْ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يَقُولُ : غَيْرُ مَنْقُوصٍ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَوْلَهُ : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قَالَ : مَحْسُوبٌ . وَقَوْلُهُ : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَذَلِكَ يَوْمُ الْأَحَدِ وَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ؛ وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْهُ الْعُلَمَاءُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ ، وَنَذْكُرُ بَعْضَ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ قَبْلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ذِكْرُ بَعْضِ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ فِيمَا مَضَى مِنَ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ : حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ هَنَّادٌ : قَرَأْتُ سَائِرَ الْحَدِيثِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْيَهُودَ أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَمَا فِيهِنَّ مِنْ مَنَافِعَ ، وَخَلَقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الشَّجَرَ وَالْمَاءَ وَالْمَدَائِنَ وَالْعُمْرَانَ وَالْخَرَابَ ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ ، ثُمَّ قَالَ : أئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ، ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا ، وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ لِمَنْ سَأَلَ .
قَالَ : وَخَلَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ السَّمَاءَ ، وَخَلَقَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ النُّجُومَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْمَلَائِكَةَ إِلَى ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِيَتْ مِنْهُ فَخَلَقَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْآجَالَ حِينَ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَلْقَى الْآفَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ ، وَفِي الثَّالِثَةِ آدَمَ وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ ، وَأَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ قَالَتِ الْيَهُودُ : ثُمَّ مَاذَا يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ قَالُوا : قَدْ أَصَبْتَ لَوْ أَتْمَمْتَ ، قَالُوا : ثُمَّ اسْتَرَاحَ؛ فَغَضِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضَبًا شَدِيدًا ، فَنَزَلَ : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ . حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ غَالِبِ بْنِ غَلَّابٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمًا وَاحِدًا فَسَمَّاهُ الْأَحَدَ ، ثُمَّ خَلَقَ ثَانِيًا فَسَمَّاهُ الْإِثْنَيْنِ ، ثُمَّ خَلَقَ ثَالِثًا فَسَمَّاهُ الثُّلَاثَاءَ ، ثُمَّ خَلَقَ رَابِعًا فَسَمَّاهُ الْأَرْبِعَاءَ ، ثُمَّ خَلَقَ خَامِسًا فَسَمَّاهُ الْخَمِيسَ؛ قَالَ : فَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ : الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ، فَذَلِكَ قَوْلُ النَّاسِ : هُوَ يَوْمٌ ثَقِيلٌ ، وَخَلَقَ مَوَاضِعَ الْأَنْهَارِ وَالْأَشْجَارِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ، وَخَلَقَ الطَّيْرَ وَالْوُحُوشَ وَالْهَوَامَّ وَالسِّبَاعَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَفَرَغَ مِنْ خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : ثَنَا عَمْرُو قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ فِي الْأَحَدِ وَالْإِثْنَيْنِ .
وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا ثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أَمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِي فَقَالَ : خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ خَلْقٍ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ . وَقَوْلُهُ : وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا يَقُولُ : وَتَجْعَلُونَ لِمَنْ خَلَقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنْدَادًا ، وَهُمُ الْأَكْفَاءُ مِنَ الرِّجَالِ تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النِّدِّ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَقَوْلُهُ : ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ : الَّذِي فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، مَالِكُ جَمِيعِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَسَائِرِ أَجْنَاسِ الْخَلْقِ ، وَكُلُّ مَا دَوَّنَهُ مَمْلُوكٌ لَهُ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ ؟! هَلْ يَكُونُ الْمَمْلُوكُ الْعَاجِزُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ نِدًّا لِمَالِكِهِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ ؟ .