الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ "
) ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْـزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾( 14 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَإِنْ أَعْرَضَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ الَّتِي بَيَّنْتُهَا لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ، وَنَبَّهْتُهُمْ عَلَيْهَا فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا وَلَمْ يُقِرُّوا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، فَقُلْ لَهُمْ : أَنْذَرْتُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ صَاعِقَةً تُهْلِكُكُمْ مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى الصَّاعِقَةِ : كُلُّ مَا أَفْسَدَ الشَّيْءَ وَغَيْرَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ . وَقِيلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَنَى بِهَا وَقِيعَةً مِنَ اللَّهِ وَعَذَابًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ قَالَ : يَقُولُ : أَنْذَرْتُكُمْ وَقِيعَةَ عَادٍ وَثَمُودَ ، قَالَ : عَذَابٌ مِثْلُ عَذَابِ عَادٍ وَثَمُودَ . وَقَوْلُهُ : إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ يَقُولُ : فَقُلْ : أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ الَّتِي أَهْلَكَتْهُمْ ، إِذْ جَاءَتْ عَادًا وَثَمُودَ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ؛ فَقَوْلُهُ إِذْ مِنْ صِلَةِ صَاعِقَةٍ . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الرُّسُلَ الَّتِي أَتَتْ آبَاءَ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّاعِقَةِ مِنْ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ .
وَعَنَى بِقَوْلِهِ : وَمِنْ خَلْفِهِمْ : مِنْ خَلْفِ الرُّسُلِ الَّذِينَ بُعِثُوا إِلَى آبَائِهِمْ رُسُلًا إِلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَى عَادٍ هُودًا ، فَكَذَّبُوهُ مِنْ بَعْدِ رُسُلٍ قَدْ كَانَتْ تَقَدَّمَتْهُ إِلَى آبَائِهِمْ أَيْضًا ، فَكَذَّبُوهُمْ ، فَأُهْلِكُوا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : فَإِنْ أَعْرَضُوا .
إِلَى قَوْلِهِ : وَمِنْ خَلْفِهِمْ قَالَ : الرُّسُلُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ هُودٍ ، وَالرُّسُلُ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَهُ ، بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَهُ رُسُلًا وَبَعَثَ مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا . وَقَوْلُهُ : أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . قَالُوا : لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْـزَلَ مَلائِكَةً يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَقَالُوا لِرُسُلِهِمْ إِذْ دَعَوْهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ : لَوْ شَاءَ رَبُّنَا أَنْ نُوَحِّدَهُ ، وَلَا نَعْبُدَ مِنْ دُونِهِ شَيْئًا غَيْرَهُ ، لَأَنْزَلَ إِلَيْنَا مَلَائِكَةً مِنَ السَّمَاءِ رُسُلًا بِمَا تَدْعُونَنَا أَنْتُمْ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُرْسِلْكُمْ وَأَنْتُمْ بَشَرٌ مِثْلُنَا ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ عِبَادَتَنَا مَا نَعْبُدُ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْنَا بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ مَلَائِكَةً .
وَقَوْلُهُ : فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ يَقُولُ : قَالَ لِرُسُلِهِمْ : فَإِنَّا بِالَّذِي أَرْسَلَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ إِلَيْنَا جَاحِدُونَ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ بِهِ .