الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَ خَلْقَهُ عَلَى هُدًى ، وَيَجْعَلَهُمْ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَفَعَلَ ، وَ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً يَقُولُ : أَهْلَ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَجَمَاعَةً مُجْتَمِعَةً عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ . يَقُولُ : لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَيَجْعَلُهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ ، مِنْ عِبَادِهِ فِي رَحْمَتِهِ ، يَعْنِي أَنَّهُ يُدْخِلُهُ فِي رَحْمَتِهِ بِتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُ لِلدُّخُولِ فِي دِينِهِ ، الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . يَقُولُ : وَالْكَافِرُونَ بِاللَّهِ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ يَتَوَلَّاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا نَصَيْرٍ يَنْصُرُهُمْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ حِينَ يُعَاقِبُهُمْ ، فَيُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِهِ ، وَيَقْتَصُّ لَهُمْ مِمَّنْ عَاقَبَهُمْ ، وَإِنَّمَا قِيلَ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْلِيَةً لَهُ عَمَّا كَانَ يَنَالُهُ مِنَ الْهَمِّ بِتَوْلِيَةِ قَوْمِهِ عَنْهُ ، وَأَمَرًا لَهُ بِتَرْكِ إِدْخَالِ الْمَكْرُوهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَجْلِ إِدْبَارِ مَنْ أَدْبَرَ عَنْهُ مِنْهُمْ ، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَإِعْلَامًا لَهُ أَنَّ أُمُورَ عِبَادِهِ بِيَدِهِ ، وَأَنَّهُ الْهَادِي إِلَى الْحَقِّ مَنْ شَاءَ ، وَالْمُضِلُّ مَنْ أَرَادَ دُونَهُ ، وَدُونَ كُلِّ أَحَدٍ سِوَاهُ .