الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَإِلَى ذَلِكَ الدِّينِ الَّذِي شَرَعَ لَكُمْ ، وَوَصَّى بِهِ نُوحًا ، وَأَوْحَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ، فَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ ، وَاسْتَقِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ ، وَلَا تَزُغْ عَنْهُ ، وَاثْبُتْ عَلَيْهِ كَمَا أَمَرَكَ رَبُّكَ بِالِاسْتِقَامَةِ . وَقِيلَ : فَلِذَلِكَ فَادْعُ ، وَالْمَعْنَى : فَإِلَى ذَلِكَ ، فَوُضِعَتِ اللَّامُ مَوْضِعَ إِلَى ، كَمَا قِيلَ : ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ مَعْنَى ذَلِكَ ، فِي قَوْلِهِ : فَلِذَلِكَ فَادْعُ إِلَى مَعْنَى هَذَا ، وَيَقُولُ : مَعْنَى الْكَلَامِ : فَإِلَى هَذَا الْقُرْآنِ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ .
وَالَّذِي قَالَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا قُلْنَاهُ ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ ، لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ خَبَرِ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَمَّا شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِقَامَتِهِ ، وَلَمْ يَأْتِ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْصِرَافِهِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ . وَقَوْلُهُ : وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَا تَتَّبِعُ يَا مُحَمَّدُ أَهْوَاءَ الَّذِينَ شَكُّوا فِي الْحَقِّ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكُتَّابَ مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَهُمْ ، فَتَشُكَّ فِيهِ ، كَالَّذِي شَكُّوا فِيهِ . يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ : صَدَّقْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْكِتَابُ ، تَوْرَاةً كَانَ أَوْ إِنْجِيلًا أَوْ زَبُورًا أَوْ صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ ، لَا أُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَكْذِيبَكُمْ بِبَعْضِهِ مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ ، وَتَصْدِيقَكُمْ بِبَعْضٍ .
وَقَوْلُهُ : وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ : وَأَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَعْدِلَ بَيْنَكُمْ مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ ، فَأَسِيرَ فِيكُمْ جَمِيعًا بِالْحَقِّ الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ وَبَعَثَنِي بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ . كَالَّذِي حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ قَالَ : أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْدِلَ ، فَعَدَلَ حَتَّى مَاتَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ . وَالْعَدْلُ مِيزَانُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، بِهِ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ ، وَلِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ ، وَبِالْعَدْلِ يُصَدِّقُ اللَّهُ الصَّادِقَ ، وَيُكَذِّبُ الْكَاذِبَ ، وَبِالْعَدْلِ يَرُدُّ الْمُعْتَدِيَ وَيُوَبِّخُهُ .
ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كَانَ يَقُولُ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَعْجَبَنِي جِدًّا : الْقَصْدُ فِي الْفَاقَةِ وَالْغِنَى ، وَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ، وَالْخَشْيَةُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ؛ وَثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَهْلَكَهُ : شُحٌّ مُطَاعٌ ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ . وَأَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيهِنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ : لِسَانٌ ذَاكِرٌ ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ ، وَبَدَنٌ صَابِرٌ ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : مَعْنَاهَا : كَيْ ، وَأُمِرْتُ كَيْ أَعْدِلَ؛ وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى الْكَلَامِ : وَأُمِرْتُ بِالْعَدْلِ ، وَالْأَمْرُ وَاقِعٌ عَلَى مَا بَعْدَهُ ، وَلَيْسَتِ اللَّامُ الَّتِي فِي لِأَعْدِلَ بِشَرْطٍ؛ قَالَ : ( وَأُمِرْتُ ) تَقَعُ عَلَى أَنْ وَعَلَى كَيْ وَاللَّامِ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ، وَكَيْ أَعْبُدَ ، وَلِأَعْبُدَ .
قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ طَالَبَ الِاسْتِقْبَالَ ، فَفِيهِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ عَامِلٌ فِي مَعْنَى لِأَعْدِلَ ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ : وَأُمِرْتُ بِالْعَدْلِ بَيْنَكُمْ . وَقَوْلُهُ : اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ يَقُولُ : اللَّهُ مَالِكُنَا وَمَالِكُكُمْ مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
يَقُولُ : لَنَا ثَوَابُ مَا اكْتَسَبْنَاهُ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَلَكُمْ ثَوَابُ مَا اكْتَسَبْتُمْ مِنْهَا . وَقَوْلُهُ : لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ يَقُولُ : لَا خُصُومَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ . كَمَا : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ؛ وَالْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ قَالَ : لَا خُصُومَةَ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ لَا خُصُومَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، وَقَرَأَ : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . وَقَوْلُهُ : اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا يَقُولُ : اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقْضِي بَيْنَنَا بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ .
( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يَقُولُ : وَإِلَيْهِ الْمَعَادُ وَالْمَرْجِعُ بَعْدَ مَمَاتِنَا .