الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَمْ يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ : ( افْتَرَى ) مُحَمَّدٌ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَجَاءَ بِهَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْنَا اخْتِلَاقًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ . وَقَوْلُهُ : فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ يَطْبَعْ عَلَى قَلْبِكَ ، فَتَنْسَ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ فَيُنْسِكَ الْقُرْآنَ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فَى قَوْلِهِ : فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ قَالَ : إِنْ يَشَأِ اللَّهُ أَنْسَكَ مَا قَدْ أَتَاكَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ قَالَ : يَطْبَعْ .
وَقَوْلُهُ : وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ يَقُولُ : وَيَذْهَبُ اللَّهُ بِالْبَاطِلِ فَيَمْحَقُهُ . وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ فَيُثْبِتُهُ . وَقَوْلُهُ : وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ ، وَلَكِنَّهُ حُذِفَتْ مِنْهُ الْوَاوُ فِي الْمُصْحَفِ ، كَمَا حُذِفَتْ مِنْ قَوْلِهِ : سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ وَمِنْ قَوْلِهِ : وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ وَلَيْسَ بِجَزْمٍ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى يَخْتِمُ .
وَقَوْلُهُ : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ اللَّهَ ذُو عِلْمٍ بِمَا فِي صُدُورِ خَلْقِهِ ، وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمَائِرُهُمْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ ، يَقُولُ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ أَنْ تَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ، لَطَبَعْتُ عَلَى قَلْبِكَ ، وَأَذْهَبْتُ الَّذِي أَتَيْتُكَ مِنْ وَحْيِي ، لِأَنِّي أَمْحُو الْبَاطِلَ فَأُذْهِبُهُ ، وَأُحِقُّ الْحَقَّ ، وَإِنَّمَا هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ الْكَافِرِينَ بِهِ ، الزَّاعِمِينَ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَى هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ لِفِعْلٍ بِهِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .