الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ "
) ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ﴾( 12 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِي نَـزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ يَعْنِي : مَا نَزَّلَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مِنَ الْأَمْطَارِ مِنَ السَّمَاءِ بِقَدْرٍ : يَقُولُ : بِمِقْدَارِ حَاجَتِكُمْ إِلَيْهِ ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ كَالطُّوفَانِ ، فَيَكُونُ عَذَابًا كَالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ ، وَلَا جَعَلَهُ قَلِيلًا لَا يَنْبُتُ بِهِ النَّبَاتُ وَالزَّرْعُ مِنْ قِلَّتِهِ ، وَلَكِنْ جَعَلَهُ غَيْثًا ، حَيًّا لِلْأَرْضِ الْمَيْتَةِ مُحْيِيًا . فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا يَقُولُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مِنْ بِلَادِكُمْ مَيْتًا ، يَعْنِي مُجْدِبَةً لَا نَبَاتَ بِهَا وَلَا زَرْعَ ، قَدْ دَرَسَتْ مِنَ الْجَدُوبِ ، وَتَعَفَّنَتْ مِنَ الْقُحُوطِ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : كَمَا أَخْرَجْنَا بِهَذَا الْمَاءِ الَّذِي نَزَّلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ جَدُوبِهَا وَقُحُوطِهَا النَّبَاتَ وَالزَّرْعَ ، كَذَلِكَ أَيُّهَا النَّاسُ تَخْرَجُونَ مِنْ بَعْدِ فَنَائِكُمْ وَمَصِيرِكُمْ فِي الْأَرْضِ رُفَاتًا بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهَا لِإِحْيَائِكُمْ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِكُمْ مِنْهَا أَحْيَاءً كَهَيْئَتِكُمُ الَّتِي بِهَا قَبْلَ مَمَاتِكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالَّذِي نَـزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ . الْآيَةَ ، كَمَا أَحْيَا اللَّهُ هَذِهِ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِهَذَا الْمَاءِ كَذَلِكَ تُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقِيلَ : أَنْشَرْنَا بِهِ ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ : أَحْيَيْنَا بِهِ ، وَلَوْ وُصِفَتِ الْأَرْضُ بِأَنَّهَا أُحْيِيَتْ ، قِيلَ : نُشِرَتِ الْأَرْضُ ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : ؟ حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأَوْا يَا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ وَقَوْلُهُ : وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَالَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَزَوَّجَهُ ، أَيْ خَلَقَ الذُّكُورَ مِنَ الْإِنَاثِ أَزْوَاجًا ، الْإِنَاثَ مِنَ الذُّكُورِ أَزْوَاجًا لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَهِيَ السُّفُنُ ( وَالْأَنْعَامِ ) وَهِيَ الْبَهَائِمُ ( مَا تَرْكَبُونَ ) يَقُولُ : جُعِلَ لَكُمْ مِنَ السُّفُنِ مَا تَرْكَبُونَهُ فِي الْبِحَارِ إِلَى حَيْثُ قَصَدْتُمْ وَاعْتَمَدْتُمْ فِي سَيْرِكُمْ فِيهَا لِمَعَايِشِكُمْ وَمَطَالِبِكُمْ ، وَمِنَ الْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَهُ فِي الْبَرِّ إِلَى حَيْثُ أَرَدْتُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ ، كَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ .