الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ مِنَ الْقِبْطِ ، فَ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( مِنْ تَحْتِي ) : مِنْ بَيْنِ يَدِي فِي الْجِنَانِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي قَالَ : كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتٌ وَأَنْهَارُ مَاءٍ . وَقَوْلُهُ : ( أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) يَقُولُ : أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالْخَيْرِ ، وَمَا فِيهِ مُوسَى مِنَ الْفَقْرِ وَعِيِّ اللِّسَانِ ، افْتَخَرَ بِمُلْكِهِ مِصْرَ عَدُوُّ اللَّهِ ، وَمَا قَدْ مُكِّنَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا اسْتِدْرَاجًا مِنَ اللَّهِ لَهُ ، وَحَسِبَ أَنَّ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ نَالَهُ بِيَدِهِ وَحَوْلِهِ ، وَأَنَّ مُوسَى إِنَّمَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الَّذِي يَصِفُهُ ، فَنَسَبَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إِلَى الْمَهَانَةِ مُحْتَجًّا عَلَى جَهَلَةِ قَوْمِهِ بِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوْ كَانَ مُحِقًّا فِيمَا يَأْتِي بِهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سِحْرًا ، لَأَكْسَبَ نَفْسَهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالنِّعْمَةِ ، مِثْلَ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ جَهْلًا بِاللَّهِ وَاغْتِرَارًا مِنْهُ بِإِمْلَائِهِ إِيَّاهُ .