الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ "
) ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ﴾( 23 ) ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾( 24 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ إِذْ كَذَّبُوهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ، وَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ عِبَادُ اللَّهِ ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ ، يَعْنِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ يَعْنِي : أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ كَافِرُونَ . وَقَوْلُهُ فَأَسْرِ بِعِبَادِي وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، وَهُوَ : فَأَجَابَهُ رَبُّهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ : فَأَسْرِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بِعِبَادِي ، وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : فَأَسْرِ بِعِبَادِي الَّذِينَ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ ، وَاتَّبَعُوكَ دُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ مِنْهُمْ ، وَأَبَوْا قَبُولَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ مِنْكَ ، وَكَانَ الَّذِينَ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَوْمَئِذٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَقَالَ : فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : سِرْ بِهِمْ بِلَيْلٍ قَبْلَ الصَّبَاحِ .
وَقَوْلُهُ إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يَقُولُ : إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنَ الْقِبْطِ مُتَّبِعُوكُمْ إِذَا شَخَصْتُمْ عَنْ بَلَدِهِمْ وَأَرْضِهِمْ فِي آثَارِكُمْ . وَقَوْلُهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا يَقُولُ : وَإِذَا قَطَعْتَ الْبَحْرَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ ، فَاتْرُكْهُ سَاكِنًا عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلْتَهُ . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَالَ لِمُوسَى هَذَا الْقَوْلَ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ ، وَهُوَ : فَسَرَى مُوسَى بِعِبَادِي لَيْلًا وَقَطَعَ بِهِمُ الْبَحْرَ ، فَقُلْنَا لَهُ بَعْدَ مَا قَطَعَهُ ، وَأَرَادَ رَدَّ الْبَحْرِ إِلَى هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ انْفِلَاقِهِ : اتْرُكْهُ رَهْوًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ لِمُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْقَوْلَ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ بِقَوْمِهِ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ﴾ حَتَّى بَلَغَ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ قَالَ : لَمَّا خَرَجَ آخِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرَادَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ ، حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ مَخَافَةَ آلِ فِرْعَوْنَ أَنْ يُدْرِكُوهُمْ ، فَقِيلَ لَهُ ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾. حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : لَمَّا قَطَعَ الْبَحْرَ ، عَطَفَ لِيَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ لِيَلْتَئِمَ ، وَخَافَ أَنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، فَقِيلَ لَهُ : وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا كَمَا هُوَ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الرَّهْوِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : اتْرُكْهُ عَلَى هَيْئَتِهِ وَحَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا يَقُولُ : سَمْتًا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ﴾ قَالَ : الرَّهْوُ : أَنْ يُتْرَكَ كَمَا كَانَ ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَخْلُصُوا مِنْ وَرَائِهِ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : طَرِيقًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : اتْرُكْهُ سَهْلًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : سَهْلًا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : يُقَالُ : الرَّهْوُ : السَّهْلُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، فَى قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : دَمِثًا . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : سَهْلًا دَمِثًا . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : هُوَ السَّهْلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : وَاتْرُكْهُ يَبَسًا جُدُدًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : جُدُدًا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : ثَنَا أَبِي ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا قَالَ : يَابِسًا كَهَيْئَتِهِ بَعْدَ أَنْ ضَرَبَهُ ، يَقُولُ : لَا تَأْمُرْهُ يَرْجِعُ ، اتْرُكْهُ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ( رَهْوًا ) قَالَ : طَرِيقًا يَبَسًا . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا كَمَا هُوَ طَرِيقًا يَابِسًا . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ : اتْرُكْهُ عَلَى هَيْئَتِهِ كَمَا هُوَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا حِينَ سَلَكْتَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّهْوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : السُّكُونُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : كَأَنَّمَا أهْلُ حُجْرٍ يَنْظُرُونَ مَتَى يَرَوْنَنِي خَارِجًا طَيْرٌ يَنَادِيدُ طَيْرٌ رَأَتْ بَازِيًا نَضْحُ الدِّمَاءِ بِهِ وأُمُّهُ خَرَجَتْ رَهْوًا إِلَى عِيدِ يَعْنِي عَلَى سُكُونٍ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُ مَتْرُوكٌ سَهْلًا دَمِثًا ، وَطَرِيقًا يَبَسًا لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَطَعُوهُ حِينَ قَطَعُوهُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، فَإِذَا تُرِكَ الْبَحْرُ رَهْوًا كَمَا كَانَ حِينَ قَطَعَهُ مُوسَى سَاكِنًا لَمْ يَهِجْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَتْ .
وَقَوْلُهُ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ يَقُولُ : إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ جُنْدٌ ، اللَّهُ مُغْرِقُهُمْ فِي الْبَحْرِ .