الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ "
) ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ﴾( 20 ) ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾( 21 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ، أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ ، وَبِأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ . وَعَنَى بِقَوْلِهِ وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا تَطْغَوْا وَتَبْغُوا عَلَى رَبِّكُمْ ، فَتَكْفُرُوا بِهِ وَتَعْصُوهُ ، فَتُخَالِفُوا أَمْرَهُ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ يَقُولُ : إِنِّي آتِيكُمْ بِحُجَّةٍ عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ ، وَبُرْهَانٍ عَلَى صِحَّتِهِ ، مُبِينٍ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا وَتَدَبَّرَهَا أَنَّهَا حُجَّةٌ لِي عَلَى صِحَّةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ : أَيْ لَا تَبْغُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ : أَيْ بِعُذْرٍ مُبِينٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، بِنَحْوِهِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ يَقُولُ : لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ﴾ يَقُولُ : وَإِنِّي اعْتَصَمْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ ، وَاسْتَجَرْتُ بِهِ مِنْكُمْ أَنْ تَرْجُمُونَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الرَّجْمِ الَّذِي اسْتَعَاذَ مُوسَى نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرَبِّهِ مِنْهُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الشَّتْمُ بِاللِّسَانِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ﴾ قَالَ : يَعْنِي رَجْمَ الْقَوْلِ .
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ﴾ قَالَ : الرَّجْمُ بِالْقَوْلِ . حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ﴾ قَالَ : أَنْ تَقُولُوا هُوَ سَاحِرٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ﴾ : أَيْ أَنْ تَرْجُمُونِ بِالْحِجَارَةِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنْ تَرْجُمُونِ قَالَ : أَنْ تَرْجُمُونِ بِالْحِجَارَةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ أَنْ تَرْجُمُونِ : أَنْ تَقْتُلُونِي .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ ، وَهُوَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَرْجُمَهُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ، وَالرَّجْمُ قَدْ يَكُونُ قَوْلًا بِاللِّسَانِ ، وَفِعْلًا بِالْيَدِ . وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ : اسْتَعَاذَ مُوسَى بِرَبِّهِ مِنْ كُلِّ مَعَانِي رَجْمِهِمُ الَّذِي يَصِلُ مِنْهُ إِلَى الْمَرْجُومِ أَذًى وَمَكْرُوهٌ ، شَتْمًا كَانَ ذَلِكَ بِاللِّسَانِ ، أَوْ رَجْمًا بِالْحِجَارَةِ بِالْيَدِ . وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ : وَإِنْ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ لَمْ تُصَدِّقُونِي عَلَى مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّي ، فَاعْتَزِلُونِ : يَقُولُ : فَخَلُّوا سَبِيلِي غَيْرَ مَرْجُومٍ بِاللِّسَانِ وَلَا بِالْيَدِ .
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾ : أَيْ فَخَلُّوا سَبِيلِي .