الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ "
) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾( 17 ) ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾( 18 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّكُمْ - أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ - إِنْ كَشَفْتُ عَنْكُمُ الْعَذَابَ النَّازِلَ بِكُمْ ، وَالضُّرَّ الْحَالَّ بِكُمْ ، ثُمَّ عُدْتُمْ فِي كُفْرِكُمْ ، وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمُ الَّذِي عَاهَدْتُمْ رَبَّكُمُ ، انْتَقَمْتُ مِنْكُمْ يَوْمَ أَبْطِشُ بِكُمْ بَطْشَتِي الْكُبْرَى فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا ، فَأُهْلِكَكُمْ ، وَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَعَادُوا ، فَبَطَشَ بِهِمْ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِطَشْتَهُ الْكُبْرَى فِي الدُّنْيَا ، فَأَهْلَكَهُمْ قَتْلًا بِالسَّيْفِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْبَطْشَةِ الْكُبْرَى ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ بَطْشَةُ اللَّهِ بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنِي ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى : يَوْمُ بَدْرٍ .
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ : ثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : يَوْمُ بَدْرٍ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : ثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى يَوْمَ بَدْرٍ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى قَالَ : يَوْمُ بَدْرٍ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى قَالَ : يَوْمُ بَدْرٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى قَالَ : يَوْمُ بَدْرٍ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى قَالَ : يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : قُلْتُ : مَا الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى ؟ فَقَالَ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، فَقُلْتُ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ : يَوْمُ بَدْرٍ . قَالَ : فَبَلَغَنِي أَنَّهُ سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : يَوْمُ بَدْرٍ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا : ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : يَوْمُ بَدْرٍ . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى يَوْمُ بَدْرٍ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فَى قَوْلِهِ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى قَالَ : هَذَا يَوْمُ بَدْرٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ بَطْشَةُ اللَّهِ بِأَعْدَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : ثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى : يَوْمُ بَدْرٍ ، وَأَنَا أَقُولُ : هِيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا : ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : مَرَّ بِي عِكْرِمَةُ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبَطْشَةِ الْكُبْرَى ، فَقَالَ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ .
قَالَ : قُلْتُ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ : يَوْمُ بَدْرٍ ، وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَأَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : يَوْمُ بَدْرٍ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى قَالَ قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ : إِنَّهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ . وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، وَالْعِلَّةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ .
وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَقَدِ اخْتَبَرْنَا وَابْتَلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ قَبْلَ مُشْرِكِي قَوْمِكَ مِثَالَ هَؤُلَاءِ قَوْمَ فِرْعَوْنَ مِنَ الْقِبْطِ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ يَقُولُ : وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِنَا أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِمْ ، وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ يَعْنِي مُوسَى . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ رَسُولٌ كَرِيمٌ قَالَ : مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَوَصَفَهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِالْكَرَمِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيمًا عَلَيْهِ ، رَفِيعًا عِنْدَهُ مَكَانُهُ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصَفَهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي قَوْمِهِ شَرِيفًا وَسِيطًا . وَقَوْلُهُ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَجَاءَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ كَرِيمٌ عَلَيْهِ بِأَنِ ادْفَعُوا إِلَيَّ ، وَمَعْنَى أَدُّوا : ادْفَعُوا إِلَيَّ فَأَرْسِلُوا مَعِي وَاتَّبِعُونِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ فأَنْ فِي قَوْلِهِ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ نَصْبٌ ، وَعِبَادَ اللَّهِ نُصِبَ بِقَوْلِهِ ( أَدُّوا ) وَقَدْ تَأَوَّلَهُ قَوْمٌ : أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ عِبَادَ اللَّهِ نُصِبَ عَلَى النِّدَاءِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ١٧ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ قَالَ : يَقُولُ : اتَّبِعُونِي إِلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : يَقُولُ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ قَالَ : أَرْسِلُوا مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ قَالَ : بَنِي إِسْرَائِيلَ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ يَعْنِي بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَ لِفِرْعَوْنَ : عَلَامَ تَحْبِسُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ ، قَوْمًا أَحْرَارًا اتَّخَذْتَهُمْ عَبِيدًا ، خَلِّ سَبِيلَهُمْ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ قَالَ : يَقُولُ : أَرْسِلْ عِبَادَ اللَّهِ مَعِي ، يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَرَأَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَالَ : ذَلِكَ قَوْلُهُ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ قَالَ : رُدَّهُمْ إِلَيْنَا .
وَقَوْلُهُ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ يَقُولُ : إِنِّي لَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ لَا يُدْرِكُكُمْ بَأْسُهُ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ ، ( أَمِينٌ ) : يَقُولُ : أَمِينٌ عَلَى وَحْيِهِ وَرِسَالَتِهِ الَّتِي أَوَعَدَنِيهَا إِلَيْكُمْ .