الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ "
) ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾( 33 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَقَدِ اخْتَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى عِلْمٍ مِنَّا بِهِمْ عَلَى عَالَمِي أَهْلِ زَمَانِهِمْ يَوْمَئِذٍ ، وَذَلِكَ زَمَانَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ : أَيِ اخْتِيرُوا عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ ذَلِكَ ، وَلِكُلِّ زَمَانٍ عَالَمٌ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ قَالَ : عَالَمُ ذَلِكَ الزَّمَانِ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ قَالَ : عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ . قَوْلُهُ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَأَعْطَيْنَاهُمْ مِنَ الْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ مَا فِيهِ اخْتِبَارٌ يُبَيِّنُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ أَنَّهُ اخْتِبَارٌ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ : ابْتَلَاهُمْ بِنِعَمِهِ عِنْدَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ مِنْ عَدُوِّهِمْ ، ثُمَّ أَقْطَعَهُمُ الْبَحْرَ ، وَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ ابْتَلَاهُمْ بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ ، وَقَرَأَ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وَقَالَ : بَلَاءٌ مُبِينٌ لِمَنْ آمَنَ بِهَا وَكَفَرَ بِهَا ، بَلْوَى نَبْتَلِيهِمْ بِهَا ، نُمَحِّصُهُمْ ، بَلْوَى اخْتِبَارٍ ، نَخْتَبِرُهُمْ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، نَخْتَبِرُهُمْ لِنَنْظُرَ فِيمَا أَتَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهَا ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا وَيُضَيِّعُهَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ آتَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ ابْتِلَاؤُهُمْ وَاخْتِبَارُهُمْ ، وَقَدْ يَكُونُ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ بِالرَّخَاءِ ، وَيَكُونُ بِالشِّدَّةِ ، وَلَمْ يَضَعْ لَنَا دَلِيلًا مِنْ خَبَرٍ وَلَا عَقْلٍ ، أَنَّهُ عَنَى بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ اخْتَبَرَهُمْ بِالْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا جَمِيعًا . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى اخْتِبَارَهُ إِيَّاهُمْ بِهِمَا ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ أَنْ نَقُولَ كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - إِنَّهُ اخْتَبَرَهُمْ .