الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ "
) ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾( 50 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يُقَالُ لِهَذَا الْأَثِيمِ الشَّقِيِّ : ذُقْ هَذَا الْعَذَابَ الَّذِي تُعَذَّبُ بِهِ الْيَوْمَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ فِي قَوْمِكَ ( الْكَرِيمُ ) عَلَيْهِمْ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ﴾ نَزَلَتْ فِي عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَهُ فَهَزَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا جَهْلٍ فَأَوْلَى ، ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴾، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : أَيُوعِدُنِي مُحَمَّدٌ ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَعَزُّ مَنْ مَشَى بَيْنَ جَبَلَيْهَا .
وَفِيهِ نَزَلَتْ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا وَفِيهِ نَزَلَتْ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ قَتَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾. حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ قَالَ قَتَادَةُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ : مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا رَجُلٌ أَعَزُّ وَلَا أَكْرَمُ مِنِّي ، فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾. حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾ قَالَ : هَذَا لِأَبِي جَهْلٍ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ وَهُوَ يُهَانُ بِالْعَذَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ ، وَيُذَلُّ بِالْعَتْلِ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ؟ قِيلَ : إِنَّ قَوْلَهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ غَيْرُ وَصْفِ مَنْ قَائِلُ ذَلِكَ لَهُ بِالْعِزَّةِ وَالْكَرَمِ ، وَلَكِنَّهُ تَقْرِيعٌ مِنْهُ لَهُ بِمَا كَانَ يَصِفُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَتَوْبِيخٌ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الدُّنْيَا يَقُولُ : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ، فَقِيلَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، إِذْ عُذِّبَ بِمَا عُذِّبَ بِهِ فِي النَّارِ : ذُقْ هَذَا الْهَوَانَ الْيَوْمَ ، فَإِنَّكَ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ، وَإِنَّكَ أَنْتَ الذَّلِيلُ الْمَهِينُ ، فَأَيْنَ الَّذِي كُنْتَ تَقُولُ وَتَدَّعِي مِنَ الْعِزِّ وَالْكَرَمِ ؟ هَلَّا تَمْتَنِعُ مِنَ الْعَذَابِ بِعِزَّتِكَ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ; قَالَ ثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ كَعْبٌ : لِلَّهِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ : اتَّزَرَ بِالْعِزِّ ، وَتَسَرْبَلَ الرَّحْمَةَ ، وَارْتَدَى الْكِبْرِيَاءَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فَمَنْ تَعَزَّزَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّهُ اللَّهُ فَذَاكَ الَّذِي يُقَالُ : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾، وَمَنْ رَحِمَ النَّاسَ فَذَاكَ الَّذِي سَرْبَلَ اللَّهُ سِرْبَالَهُ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ ، وَمَنْ تَكَبَّرَ فَذَاكَ الَّذِي نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَهُ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - يَقُولُ : لَا يَنْبَغِي لِمَنْ نَازَعَنِي رِدَائِي أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَلَّ وَعَزَّ . وَأَجْمَعَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ جَمِيعًا عَلَى كَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ قَوْلِهِ : ( ذُقْ إِنَّكَ ) عَلَى وَجْهِ الِابْتِدَاءِ ، وَحِكَايَةِ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ : إِنِّي أَنَا الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ( ذُقْ أَنَّكَ ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ عَلَى إِعْمَالِ قَوْلِهِ ( ذُقْ ) فِي قَوْلِهِ : ( أَنَّكَ ) كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ : ذُقْ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي قُلْتَهُ فِي الدُّنْيَا . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا كَسْرُ الْأَلِفِ مِنْ ( إِنَّكَ ) عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُ لِقَارِئِهِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ ، وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهُ ، وَكَفَى دَلِيلًا عَلَى خَطَأِ قِرَاءَةِ خِلَافِهَا ، مَا مَضَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ، مَعَ بُعْدِهَا مِنَ الصِّحَّةِ فِي الْمَعْنَى وَفِرَاقِهَا تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يُقَالُ لَهُ : إِنَّ هَذَا الْعَذَابَ الَّذِي تُعَذَّبُ بِهِ الْيَوْمَ ، هُوَ الْعَذَابُ الَّذِي كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَشُكُّونَ ، فَتَخْتَصِمُونَ فِيهِ ، وَلَا تُوقِنُونَ بِهِ فَقَدْ لَقِيتُمُوهُ ، فَذُوقُوهُ .