الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَاتَّبَعُوكَ ، يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَخَافُونَ بَأْسَ اللَّهِ وَوَقَائِعَهُ وَنِقَمَهُ إِذَا هُمْ نَالُوهُمْ بِالْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَقُولُ : لِيَجْزِيَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُؤْذُونَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْآخِرَةِ ، فَيُصِيبُهُمْ عَذَابُهُ بِمَا كَانُوا فَى الدُّنْيَا يَكْسِبُونَ مِنَ الْإِثْمِ ، ثُمَّ بِأَذَاهُمْ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ قَالَ : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا آذَوْهُ ، وَكَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ، وَيُكَذِّبُونَهُ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ، فَكَانَ هَذَا مِنَ الْمَنْسُوخِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ قَالَ : لَا يُبَالُونَ نِعَمَ اللَّهِ ، أَوْ نِقَمَ اللَّهِ . حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ قَالَ : لَا يُبَالُونَ نِعَمَ اللَّهِ . وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِأَمْرٌ اللَّهِ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : هِيَ مَنْسُوخَةٌ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ قَالَ : نَسَخَتْهَا مَا فِي الْأَنْفَالِ ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ وَفِي بَرَاءَةَ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ قَالَ : نَسَخَتْهَا فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ .
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ قَالَ : هَذَا مَنْسُوخٌ أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِهِمْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ قَالَ : ثَنَا عَنْبَسَةُ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ قَالَ : نَسَخَتْهَا الَّتِي فِي الْحَجِّ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، قَالَ : وَقَدْ نُسِخَ هَذَا وَفُرِضَ جِهَادُهُمْ وَالْغِلْظَةُ عَلَيْهِمْ .
وَجُزِمَ قَوْلُهُ ( يَغْفِرُوا ) تَشْبِيهًا لَهُ بِالْجَزَاءِ وَالشَّرْطِ وَلَيْسَ بِهِ ، وَلَكِنْ لِظُهُورِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مِثَالِهِ ، فَعُرِّبَ تَعْرِيبَهُ ، وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْهُ قَبْلُ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ : ( لِيَجْزِيَ ) بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ يَجْزِيهِمْ وَيُثِيبُهُمْ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ لِنَجْزِيَ بِالنُّونِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ . وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ لِيُجْزَى قَوْمًا عَلَى مَذْهَبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ كَلَامِ الْعَرَبِ لَحْنٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ : لِيُجْزَى الْجَزَاءُ قَوْمًا ، بِإِضْمَارِ الْجَزَاءِ ، وَجَعْلِهِ مَرْفُوعًا ( لِيُجْزَى ) فَيَكُونُ وَجْهًا مِنَ الْقِرَاءَةِ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ قِرَاءَتَهُ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِنْ قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ جَائِزَةٌ بِأَيِّ تَيْنِكَ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ . فَأَمَّا قِرَاءَتُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، فَغَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدِي لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ خِلَافٌ لِمَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدِي خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ مُسْتَفِيضًا فِيهِمْ . وَالثَّانِي بُعْدُهَا مِنَ الصِّحَّةِ فَى الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهِ الْكَلَامِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْرُوفِ مِنْ وَجْهِهِ .