الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ "
) ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾( 21 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ( هَذَا ) الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ بَصَائِرُ لِلنَّاسِ يُبْصِرُونَ بِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ ، وَيَعْرِفُونَ بِهِ سَبِيلَ الرَّشَادِ ، وَالْبَصَائِرُ : جَمْعُ بَصِيرَةٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ قَالَ : الْقُرْآنُ .
قَالَ : هَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْقَلْبِ . قَالَ : وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ فِي الْقَلْبِ . وَقَرَأَ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ وَلَيْسَ بِبَصَرِ الدُّنْيَا وَلَا بِسَمْعِهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَهُدًى ) يَقُولُ : وَرَشَادٌ وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ بِحَقِيقَةِ صِحَّةِ هَذَا الْقُرْآنِ ، وَأَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . وَخَصَّ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - الْمُوقِنِينَ بِأَنَّهُ لَهُمْ بَصَائِرُ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ؛ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهِ دُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ عَمًى وَلَهُ حُزْنًا . وَقَوْلُهُ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَمْ ظَنَّ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ فِي الدُّنْيَا ، وَكَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ ، وَخَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ ، وَعَبَدُوا غَيْرَهُ أَنْ نَجْعَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، كَالَّذِينِ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، فَأَطَاعُوا اللَّهَ ، وَأَخْلَصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ ، كَلَّا مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ ، لَقَدْ مَيَّزَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ ، فَجَعَلَ حِزْبَ الْإِيمَانِ فِي الْجَنَّةِ ، وَحِزْبَ الْكُفْرِ فِي السَّعِيرِ .
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ . الْآيَةَ ، لَعَمْرِي لَقَدْ تَفَرَّقَ الْقَوْمُ فِي الدُّنْيَا ، وَتَفَرَّقُوا عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَتَبَايَنُوا فِي الْمَصِيرِ . وَقَوْلُهُ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( سَوَاءً ) فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( سَوَاءٌ ) بِالرَّفْعِ ، عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مُتَنَاهٍ عِنْدَهُمْ عِنْدَ قَوْلِهِ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَجَعَلُوا خَبَرَ قَوْلِهِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ قَوْلَهُ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، ثُمَّ ابْتَدَءُوا الْخَبَرَ عَنِ اسْتِوَاءِ حَالِ مَحْيَا الْمُؤْمِنِ وَمَمَاتِهِ ، وَمَحْيَا الْكَافِرِ وَمَمَاتِهِ ، فَرَفَعُوا قَوْلَهُ : ( سَوَاءٌ ) عَلَى وَجْهِ الِابْتِدَاءِ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ قَالَ : الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مُؤْمِنٌ ، وَالْكَافِرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَافِرٌ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ لَيْثٍ فِي قَوْلِهِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ قَالَ : بَعَثَ الْمُؤْمِنَ مُؤْمِنًا حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَالْكَافِرَ كَافِرًا حَيًّا وَمَيِّتًا . وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْكَلَامُ إِذَا قُرِئَ سَوَاءٌ رَفَعَا وَجْهًا آخَرَ غَيْرَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَيْثٍ ، وَهُوَ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ وَالْمُؤْمِنِينَ سَوَاءٌ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ ، بِمَعْنَى : أَنَّهُمْ لَا يَسْتَوُونَ ، ثُمَّ يُرْفَعُ سَوَاءٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، إِذْ كَانَ لَا يَنْصَرِفُ ، كَمَا يُقَالُ : مَرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٌ مِنْكَ أَبُوهُ ، وَحَسْبُكُ أَخُوهُ ، فَرُفِعَ حَسْبُكَ ، وَخَيْرٌ إِذْ كَانَا فِي مَذْهَبِ الْأَسْمَاءِ ، وَلَوْ وَقَعَ مَوْقِعَهُمَا فِعْلٌ فِي لَفْظِ اسْمٍ لَمْ يَكُنْ إِلَّا نَصْبًا ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( سَوَاءٌ ) .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( سَوَاءً ) نَصْبًا ، بِمَعْنَى : أَحَسِبُوا أَنْ نَجْعَلَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ قَوْلِهِ ( سَوَاءً ) وَرَفْعِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ رَفَعَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتَ لِلْكُفَّارِ كُلَّهُ ، قَالَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ قَالَ سَوَاءٌ مَحْيَا الْكُفَّارِ وَمَمَاتُهُمْ : أَيْ مَحْيَاهُمْ مَحْيَا سَوَاءٌ ، وَمَمَاتُهُمْ مَمَاتٌ سَوَاءٌ ، فَرَفَعَ السَّوَاءَ عَلَى الِابْتِدَاءِ . قَالَ : وَمَنْ فَسَّرَ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتَ لِلْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ ، فَقَدْ يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَعْنَى نَصْبُ السَّوَاءِ وَرَفْعُهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ جَعَلَ السَّوَاءَ مُسْتَوِيًا ، فَيَنْبَغِي لَهُ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يُجْرِيَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ ، وَمَنْ جَعَلَهُ الِاسْتِوَاءَ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ ، إِلَّا أَنْ يَنْصِبَ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتَ عَلَى الْبَدَلِ ، وَيَنْصَبَ السَّوَاءَ عَلَى الِاسْتِوَاءِ ، وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ السَّوَاءَ إِذَا كَانَ فِي مَعْنَى مُسْتَوٍ ، كَمَا تَقُولُ : مَرَرْتُ بِرَجُلِ خَيْرٌ مِنْكَ أَبُوهُ ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَا يُصْرَفُ وَالرَّفْعُ أَجْوَدُ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ قَوْلُهُ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ بِنَصْبِ سَوَاءٍ وَبِرَفْعِهِ ، وَالْمَحْيَا وَالْمَمَاتُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : رَأَيْتُ الْقَوْمَ سَوَاءً صِغَارُهُمْ وَكِبَارُهُمْ بِنَصْبِ سَوَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهُ فِعْلًا لِمَا عَادَ عَلَى النَّاسِ مِنْ ذِكْرِهِمْ ، قَالَ : وَرُبَّمَا جَعَلَتِ الْعَرَبُ سَوَاءً فِي مَذْهَبِ اسْمِ بِمَنْزِلَةِ حَسْبُكَ ، فَيَقُولُونَ : رَأَيْتُ قَوْمَكَ سَوَاءٌ صِغَارُهُمْ وَكِبَارُهُمْ .
فَيَكُونُ كَقَوْلِكَ : مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسْبُكَ أَبُوهُ ، قَالَ : وَلَوْ جَعَلْتَ مَكَانَ سَوَاءٍ مُسْتَوٍ لَمْ يُرْفَعْ ، وَلَكِنْ نَجْعَلُهُ مُتَّبِعًا لِمَا قَبْلَهُ ، مُخَالِفًا لِسَوَاءٍ ؛ لِأَنَّ مُسْتَوٍ مِنْ صِفَةِ الْقَوْمِ ، وَلِأَنَّ سَوَاءً كَالْمَصْدَرِ ، وَالْمَصْدَرُ اسْمٌ . قَالَ : وَلَوْ نَصَبْتَ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتَ كَانَ وَجْهًا ، يُرِيدُ أَنْ نَجْعَلَهُمْ سَوَاءً فِي مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمُ : الْمَعْنَى : أَنَّهُ لَا يُسَاوِي مَنِ اجْتَرَحَ السَّيِّئَاتِ الْمُؤْمِنَ فِي الْحَيَاةِ ، وَلَا الْمَمَاتِ ، عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِعَ الْخَبَرِ ، فَكَانَ خَبَرًا لَجَعَلْنَا ، قَالَ : وَالنَّصْبُ لِلْأَخْبَارِ كَمَا تَقُولُ : جَعَلْتُ إِخْوَتَكَ سَوَاءً ، صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ ، لِأَنَّ سَوَاءٌ لَا يَنْصَرِفُ .
وَقَالَ : مَنْ قَالَ : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَجَعَلَ كَالَّذِينِ الْخَبَرَ ، اسْتَأْنَفَ بِسَوَاءٍ وَرَفَعَ مَا بَعْدَهَا ، وَإِنْ نَصَبَ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ نَصَبَ سَوَاءً لَا غَيْرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : بِئْسَ الْحُكْمُ الَّذِي حَسِبُوا أَنَّا نَجْعَلُ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ .