الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ . . . "
) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ دِينَهُ بِهَوَاهُ ، فَلَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ، وَلَا يُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ ، وَلَا يُحَلِّلُ مَا حَلَّلَ ، إِنَّمَا دِينُهُ مَا هَوِيَتْهُ نَفْسُهُ يَعْمَلُ بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ قَالَ : ذَلِكَ الْكَافِرُ اتَّخَذَ دِينَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ وَلَا بُرْهَانٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ قَالَ : لَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ لَا يَخَافُ اللَّهَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ مَعْبُودَهُ مَا هَوِيَتْ عِبَادَتَهُ نَفْسُهُ مِنْ شَيْءٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : كَانَتْ قُرَيْشٌ تَعْبُدُ الْعُزَّى ، وَهُوَ حَجَرٌ أَبْيَضُ ، حِينًا مِنَ الدَّهْرِ ، فَإِذَا وَجَدُوا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ طَرَحُوا الْأَوَّلَ وَعَبَدُوا الْآخَرَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَرَأَيْتَ يَا مُحَمَّدُ مَنِ اتَّخَذَ مَعْبُودَهُ هَوَاهُ ، فَيَعْبُدُ مَا هَوَى مِنْ شَيْءٍ دُونَ إِلَهِ الْحَقِّ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَعْنَاهُ دُونَ غَيْرِهِ .
وَقَوْلُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَخَذَلَهُ عَنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ ، وَسَبِيلِ الرَّشَادِ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَهْتَدِي ، وَلَوْ جَاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ يَقُولُ : أَضَلَّهُ اللَّهُ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ .
وَقَوْلُهُ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَطَبَعَ عَلَى سَمْعِهِ أَنْ يَسْمَعَ مَوَاعِظَ اللَّهِ وَآيَ كِتَابِهِ ، فَيَعْتَبِرَ بِهَا وَيَتَدَبَّرَهَا ، وَيَتَفَكَّرَ فِيهَا ، فَيَعْقِلَ مَا فِيهَا مِنَ النُّورِ وَالْبَيَانِ وَالْهُدَى . وَقَوْلُهُ ( وَقَلْبِهِ ) يَقُولُ : وَطَبَعَ أَيْضًا عَلَى قَلْبِهِ ، فَلَا يَعْقِلُ بِهِ شَيْئًا ، وَلَا يَعِي بِهِ حَقًّا . وَقَوْلُهُ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً يَقُولُ : وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً أَنْ يُبْصِرَ بِهِ حُجَجَ اللَّهِ ، فَيَسْتَدِّلَ بِهَا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ، وَيَعْلَمَ بِهَا أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( غِشَاوَةً ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَإِثْبَاتِ الْأَلْفِ فِيهَا عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( غَشْوَةً ) بِمَعْنَى : أَنَّهُ غَشَّاهُ شَيْئًا فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، وَهُمَا عِنْدِي قِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَانِ فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَوْلُهُ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَمَنْ يُوَفِّقْهُ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ ، وَإِبْصَارِ مَحَجَّةِ الرُّشْدِ بَعْدَ إِضْلَالِ اللَّهِ إِيَّاهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَيُّهَا النَّاسُ ، فَتَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ مَا وَصَفْنَا ، فَلَنْ يَهْتَدِيَ أَبَدًا ، وَلَنْ يَجِدَ لِنَفْسِهِ وَلِيًّا مُرْشِدًا .