الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "
) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾( 30 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لِكُلِّ أُمَّةٍ دُعِيَتْ فِي الْقِيَامَةِ إِلَى كِتَابِهَا الَّذِي أَمْلَتْ عَلَى حَفَظَتِهَا فِي الدُّنْيَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَلَا تَجْزَعُوا مِنْ ثَوَابِنَاكُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّكُمْ يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ إِنْ أَنْكَرْتُمُوهُ بِالْحَقِّ فَاقْرَءُوهُ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَقُولُ : إِنَّا كُنَّا نَسْتَكْتِبُ حَفَظَتَنَا أَعْمَالَكُمْ ، فَتُثْبِتُهَا فِي الْكُتُبِ وَتَكْتُبُهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ قَالَ : هُوَ أُمُّ الْكِتَابِ فِيهِ أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قَالَ : نَعَمُ ، الْمَلَائِكَةُ يَسْتَنْسِخُونَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ قَالَ : ثَنِي أَخِي عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ الثُّمَالِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ وَهِيَ الدَّوَاةُ ، وَخَلَقَ الْقَلَمَ ، فَقَالَ : اكْتُبْ ، قَالَ : مَا أَكْتُبُ ، قَالَ : اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ ، بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ ، أَوْ رِزْقٍ مَقْسُومٍ ، حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ ، ثُمَّ أَلْزَمَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَأْنَهُ دُخُولَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَمُقَامَهُ فِيهَا كَمْ ، وَخُرُوجَهُ مِنْهُ كَيْفَ ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى الْعِبَادِ حَفَظَةً ، وَعَلَى الْكِتَابِ خُزَّانًا ، فَالْحَفَظَةُ يَنْسَخُونَ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْخُزَّانِ عَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَإِذَا فَنِيَ الرِّزْقُ وَانْقَطَعَ الْأَثَرُ ، وَانْقَضَى الْأَجَلُ ، أَتَتِ الْحَفَظَةُ الْخَزَنَةَ يَطْلُبُونَ عَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَتَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ : مَا نَجِدُ لِصَاحِبِكُمْ عِنْدَنَا شَيْئًا ، فَتَرْجِعُ الْحَفَظَةُ ، فَيَجِدُونَهُمْ قَدْ مَاتُوا ، قَالَ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَلَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا تَسْمَعُونَ الْحَفَظَةَ يَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَهَلْ يَكُونُ الِاسْتِنْسَاخُ إِلَّا مِنْ أَصْلٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ قَالَ : الْكِتَابُ : الذِّكْرُ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قَالَ : نَسْتَنْسِخُ الْأَعْمَالَ . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ : ثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَنْزِلُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِشَيْءٍ يَكْتُبُونَ فِيهِ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ .
وَقَوْلُهُ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَوَحَّدُوهُ ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ : يَقُولُ : وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ يَعْنِي فِي جَنَّتِهِ بِرَحْمَتِهِ . وَقَوْلُهُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يَقُولُ : دُخُولُهُمْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ هُوَ الظَّفَرُ بِمَا كَانُوا يَطْلُبُونَهُ ، وَإِدْرَاكُ مَا كَانُوا يَسْعَوْنَ فِي الدُّنْيَا لَهُ ، الْمُبِينُ غَايَتَهُمْ فِيهَا ، أَنَّهُ هُوَ الْفَوْزُ .