حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً "

) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمِنْ قَبْلِ هَذَا الْكِتَابِ ، كِتَابُ مُوسَى ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ ، إِمَامًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ يَأْتَمُّونَ بِهِ ، وَرَحْمَةً لَهُمْ أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْهِمْ . وَخَرَجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْكِتَابِ بِغَيْرِ ذِكْرِ تَمَامِ الْخَبَرِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى تَمَامِهِ; وَتَمَامُهُ : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ لِسَانًا عَرَبِيًّا . اخْتَلَفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، وَفِي الْمَعْنَى النَّاصِبِ لِسَانًا عَرَبِيًّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : نُصِبَ اللِّسَانُ وَالْعَرَبِيُّ ، لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الْكِتَابِ ، فَانْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ ، أَوْ عَلَى فِعْلٍ مُضْمَرٍ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أَعْنِي لِسَانًا عَرَبِيًّا .

قَالَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى مُصَدِّقٌ جَعَلَ الْكِتَابَ مُصَدِّقَ اللِّسَانِ ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ اللِّسَانَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ ، وَجَعَلَهُ مِنْ صِفَةِ الْكِتَابِ ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ ، وَهَذَا كِتَابٌ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُصَدِّقٍ التَّوْرَاةَ كِتَابَ مُوسَى ، بِأَنَّ مُحَمَّدًا لِلَّهِ رَسُولٌ ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ . وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ جَعَلَ النَّاصِبَ لِلِسَانِ مُصَدِّقٌ ، فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ إِذَا يُؤَوَّلُ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُصَدِّقُ الْقُرْآنَ نَفْسُهُ ، وَلَا مَعْنَى لِأَنْ يُقَالَ : وَهَذَا كِتَابٌ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ هُوَ هَذَا الْكِتَابُ ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَيُوَجَّهُ تَأْوِيلُهُ إِلَى : وَهَذَا كِتَابٌ وَهُوَ الْقُرْآنُ يُصَدِّقُ مُحَمَّدًا ، وَهُوَ اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : قَوْلُهُ : لِسَانًا عَرَبِيًّا مِنْ نَعْتِ الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا نُصِبَ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ : وَهَذَا كِتَابٌ يُصَدِّقُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لِسَانًا عَرَبِيًّا ، فَخَرَجَ لِسَانًا عَرَبِيًّا مِنْ يُصَدِّقُ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ ، كَمَا تَقُولُ : مَرَرْتُ بِرَجُلٍ يَقُومُ مُحْسِنًا ، وَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ مُحْسِنًا ، قَالَ : وَلَوْ رُفِعَ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ جَازَ عَلَى النَّعْتِ لِلْكِتَابِ .

وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِسَانًا عَرَبِيًّا ، فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَتَوَجَّهُ النَّصْبُ فِي قَوْلِهِ لِسَانًا عَرَبِيًّا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ أَنْ يَكُونَ اللِّسَانُ خَارِجًا مِنْ قَوْلِهِ ( مُصَدِّقٌ ) وَالْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ قَطْعًا مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي بَيْنِ يَدَيْهِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِمَّا فِي مُصَدِّقٌ مِنْ ذِكْرِ الْكِتَابِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : ( مُصَدِّقٌ ) فِعْلٌ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ : وَهَذَا الْقُرْآنُ يُصَدِّقُ كِتَابَ مُوسَى بِأَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا . وَقَوْلُهُ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَقُولُ : لِيُنْذِرَ هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ بِعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ .

وَقَوْلُهُ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ يَقُولُ : وَهُوَ بُشْرَى لِلَّذِينَ أَطَاعُوا اللَّهَ فَأَحْسَنُوا فِي إِيمَانِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا ، فَحَسُنَ الْجَزَاءُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ . وَفِي قَوْلِهِ ( وَبُشْرَى ) وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ : الرَّفْعُ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الْكِتَابِ بِمَعْنَى : وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ . وَالنَّصْبُ عَلَى مَعْنَى : لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَيُبَشِّرَ ، فَإِذَا جُعِلَ مَكَانَ يُبَشِّرُ وَبُشْرَى أَوْ وَبِشَارَةً ، نَصَبْتَ ، كَمَا تَقُولُ أَتَيْتُكَ لِأَزُورَكَ وَكَرَامَةً لَكَ ، وَقَضَاءً لِحَقِّكَ ، بِمَعْنَى لِأَزُورَكَ وَأُكْرِمَكَ ، وَأَقْضِيَ حَقَّكَ ، فَتُنْصَبُ الْكَرَامَةُ وَالْقَضَاءُ بِمَعْنًى مُضْمَرٍ .

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ( لِيُنْذِرَ ) فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ لِتُنْذِرَ بِالتَّاءِ بِمَعْنَى : لِتُنْذِرَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ بِالْيَاءِ بِمَعْنَى : لِيُنْذِرَ الْكِتَابُ ، وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .

موقع حَـدِيث