الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَوَصَّيْنَا ابْنَ آدَمَ بِوَالِدَيْهِ الْحُسْنَ فِي صُحْبَتِهِ إِيَّاهُمَا أَيَّامَ حَيَاتِهِمَا ، وَالْبِرَّ بِهِمَا فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( حُسْنًا ) فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ حُسْنًا بِضَمِّ الْحَاءِ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي وُصِفَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( إِحْسَانًا ) بِالْأَلِفِ ، بِمَعْنَى : وَوَصَّيْنَاهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا ، وَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ؛ لِتَقَارُبِ مَعَانِي ذَلِكَ ، وَاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي الْقُرَّاءِ .
وَقَوْلُهُ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا بِرًّا بِهِمَا ، لِمَا كَانَ مِنْهُمَا إِلَيْهِ حَمْلًا وَوَلِيدًا وَنَاشِئًا ، ثُمَّ وَصَفَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مَا لَدَيْهِ مِنْ نِعْمَةِ أُمِّهِ ، وَمَا لَاقَتْ مِنْهُ فِي حَالِ حَمْلِهِ وَوَضْعِهِ ، وَنَبَّهَهُ عَلَى الْوَاجِبِ لَهَا عَلَيْهِ مِنَ الْبِرِّ ، وَاسْتِحْقَاقِهَا عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَجَمِيلِ الصُّحْبَةِ ، فَقَالَ : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ يَعْنِي فِي بَطْنِهَا كُرْهًا ، يَعْنِي مَشَقَّةً ، وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا يَقُولُ : وَوَلَدَتْهُ كُرْهًا يَعْنِي مَشَقَّةً . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا يَقُولُ : حَمَلَتْهُ مَشَقَّةً ، وَوَضَعَتْهُ مَشَقَّةً . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا قَالَا حَمَلَتْهُ فِي مَشَقَّةٍ ، وَوَضَعَتْهُ فِي مَشَقَّةٍ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا قَالَ : مَشَقَّةً عَلَيْهَا . اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( كُرْهًا ) فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ كَرْهًا بِفَتْحِ الْكَافِ . وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( كُرْهًا ) بِضَمِّهَا ، وَقَدْ بَيَّنْتُ اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ قَبْلُ إِذَا فَتَحَ وَإِذَا ضَمَّ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . وَقَوْلُهُ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَحَمْلُ أُمِّهِ إِيَّاهُ جَنِينًا فِي بَطْنِهَا ، وَفِصَالُهَا إِيَّاهُ مِنَ الرَّضَاعِ ، وَفَطْمُهَا إِيَّاهُ شُرْبَ اللَّبَنِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( وَفِصَالُهُ ) ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ بِمَعْنَى : فَاصَلَتْهُ أُمُّهُ فِصَالًا وَمُفَاصَلَةً .
وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : وَحَمْلُهُ وَفَصْلُهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، بِمَعْنَى : وَفَصْلُ أُمِّهِ إِيَّاهُ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ ، وَشُذُوذِ مَا خَالَفَ . وَقَوْلُهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَبْلَغِ حَدِّ ذَلِكَ مِنَ السِّنِينَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَشُدُّهُ : ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً ، وَاسْتِوَاؤُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَالْعُذْرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ قَالَ : ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ بُلُوغُ الْحُلُمِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : الْأَشُدُّ : الْحُلُمُ إِذَا كُتِبَتْ لَهُ الْحَسَنَاتُ ، وَكُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى : الْأَشُدُّ جَمْعُ شَدٍّ ، وَأَنَّهُ تَنَاهِي قُوَّتِهِ وَاسْتِوَائِهِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ الثَّلَاثُ وَالثَّلَاثُونَ بِهِ أَشْبَهَ مِنَ الْحُلُمِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَبْلُغُ فِي حَالِ حُلُمِهِ كَمَالَ قُوَاهُ ، وَنِهَايَةَ شِدَّتِهِ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ إِذَا ذَكَرَتْ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ ، فَعَطَفَتْ بِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ جَعَلَتْ كِلَا الْوَقْتَيْنِ قَرِيبًا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، كَمَا قَالَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَلَا تَكَادُ تَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ قَرِيبًا مِنْ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَكُلَّهُ ، وَلَا أَخَذْتُ قَلِيلًا مِنْ مَالٍ أَوْ كُلَّهُ ، وَلَكِنْ تَقُولُ : أَخَذْتُ عَامَّةَ مَالِي أَوْ كُلَّهُ ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا شَكَّ أَنَّ نَسَقَ الْأَرْبَعِينَ عَلَى الثَّلَاثِ وَالثَّلَاثِينَ أَحْسَنُ وَأَشْبَهُ ، إِذْ كَانَ يُرَادُ بِذَلِكَ تَقْرِيبُ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ مِنَ النَّسَقِ عَلَى الْخَمْسَ عَشْرَةَ أَوِ الثَّمَانِ عَشْرَةَ .
وَقَوْلُهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ذَلِكَ حِينَ تَكَامَلَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَسِيرَ عَنْهُ جَهَالَةُ شَبَابِهِ وَعَرَفَ الْوَاجِبَ لِلَّهِ مِنَ الْحَقِّ فِي بِرِّ وَالِدَيْهِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَقَدْ مَضَى مِنْ سَيِّئِ عَمَلِهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي حَتَّى بَلَغَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ مَضَى مِنْ سَيِّئِ عَمَلِهِ مَا مَضَى .
وَقَوْلُهُ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : قَالَ هَذَا الْإِنْسَانُ الَّذِي هَدَاهُ اللَّهُ لِرُشْدِهِ ، وَعَرَفَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا أَلْزَمَهُ مِنْ بِرِّ وَالِدَيْهِ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ يَقُولُ : أَغْرِنِي بِشُكْرِ نِعْمَتِكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فِي تَعْرِيفِكَ إِيَّايَ تَوْحِيدَكَ وَهِدَايَتِكَ لِي لِلْإِقْرَارِ بِذَلِكَ ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِكَ وَعَلَى وَالِدَيَّ مِنْ قَبْلِي ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نِعْمَتِكَ عَلَيْنَا ، وَأَلْهِمْنِي ذَلِكَ . وَأَصْلُهُ مِنْ وَزَعْتُ الرَّجُلَ عَلَى كَذَا : إِذَا دَفَعَتُهُ عَلَيْهِ . وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قَالَ : اجْعَلْنِي أَشْكُرُ نِعْمَتَكَ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ رَبِّ أَوْزِعْنِي وَإِنْ كَانَ يَئُولُ إِلَيْهِ مَعْنَى الْكَلِمَةِ ، فَلَيْسَ بِمَعْنَى الْإِيزَاعِ عَلَى الصِّحَّةِ .
وَقَوْلُهُ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَوْزِعْنِي أَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَرْضَاهَا ، وَذَلِكَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَوْلُهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي يَقُولُ : وَأَصْلِحْ لِي أُمُورِي فِي ذُرِّيَّتِي الَّذِينَ وَهَبْتَهُمْ ، بِأَنْ تَجْعَلَهُمْ هُدَاةً لِلْإِيمَانِ بِكَ ، وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِكَ ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِكَ ، فَوَصَفَهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِالْبِرِّ بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَوْلُهُ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَذَا الْإِنْسَانِ . إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ يَقُولُ : تُبْتُ مِنْ ذُنُوبِي الَّتِي سَلَفَتْ مِنِّي فِي سَالِفِ أَيَّامِي إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ : وَإِنِّي مِنَ الْخَاضِعِينَ لَكَ بِالطَّاعَةِ ، الْمُسْتَسْلِمِينَ لِأَمْرِكَ وَنَهْيِكَ ، الْمُنْقَادِينَ لِحُكْمِكَ .