حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ . . . "

) وَقَوْلُهُ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : تُخَرِّبُ كُلَّ شَيْءٍ ، وَتَرْمِي بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَتُهْلِكُهُ ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ وَكَانَ لَكُمْ كَبَكْرِ ثَمُودَ لَمَّا رَغَا ظُهْرًا فَدَمَّرَهُمْ دَمَارًا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : دَمَّرَهُمْ : أَلْقَى بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ صَرْعَى هَلْكَى . وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا مِمَّا أُرْسِلَتْ بِهَلَاكِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُدَمِّرْ هُودًا وَمَنْ كَانَ آمَنَ بِهِ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا طَلْقٌ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا قَدْرَ خَاتَمِي هَذَا ، فَنَزَعَ خَاتَمَهُ .

وَقَوْلُهُ فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ يَقُولُ : فَأَصْبَحَ قَوْمُ هُودٍ وَقَدْ هَلَكُوا وَفَنَوْا ، فَلَا يُرَى فِي بِلَادِهِمْ شَيْءٌ إِلَّا مَسَاكِنُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَسْكُنُونَهَا . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ لَا تَرَى إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ بِالتَّاءِ نَصْبًا ، بِمَعْنَى : فَأَصْبَحُوا لَا تَرَى أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ بِالْيَاءِ فِي ( يُرَى ) ، وَرَفْعِ الْمَسَاكِنِ ، بِمَعْنَى : مَا وَصَفْتُ قَبْلُ أَنَّهُ لَا يُرَى فِي بِلَادِهِمْ شَيْءٌ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ . وَرَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ( لَا تُرَى ) بِالتَّاءِ ، وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْتُ مِنْ قِرَاءَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَهُوَ الْقِرَاءَةُ بِرَفْعِ الْمَسَاكِنِ إِذَا قُرِئَ قَوْلُهُ ( يُرَى ) بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا وَبِنَصْبِ الْمَسَاكِنِ إِذَا قُرِئَ قَوْلُهُ : تَرَى بِالتَّاءِ وَفَتْحِهَا ، وَأَمَّا الَّتِي حُكِيَتْ عَنِ الْحَسَنِ ، فَهِيَ قَبِيحَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً ، وَإِنَّمَا قُبِّحَتْ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُذَكِّرُ الْأَفْعَالَ الَّتِي قَبْلَ إِلَّا وَإِنْ كَانَتِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي بَعْدَهَا أَسْمَاءَ إِنَاثٍ ، فَتَقُولُ : مَا قَامَ إِلَّا أُخْتُكَ ، مَا جَاءَنِي إِلَّا جَارِيَتُكَ ، وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ : مَا جَاءَتْنِي إِلَّا جَارِيَتُكَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَحْذُوفَ قَبْلَ إِلَّا أَحَدٌ ، أَوْ شَيْءٌ ، وَأَحَدٌ ، وَشَيْءٌ يُذَكِّرُ فِعْلَهُمَا الْعَرَبُ ، وَإِنْ عُنِيَ بِهِمَا الْمُؤَنَّثُ ، فَتَقُولُ : إِنْ جَاءَكَ مِنْهُنَّ أَحَدٌ فَأَكْرِمْهُ ، وَلَا يَقُولُونَ : إِنْ جَاءَتْكَ ، وَكَانَ الْفَرَّاءُ يُجِيزُهَا عَلَى الِاسْتِكْرَاهِ ، وَيَذْكُرُ أَنَّ الْمُفَضَّلَ أَنْشَدَهُ : وَنَارُنَا لَمْ تُرَ نَارًا مِثْلُهَا قَدْ عَلِمَتْ ذَاكَ مَعَدٌّ أَكْرَمَا فَأَنَّثَ فِعْلَ مِثْلٍ ؛ لِأَنَّهُ لِلنَّارِ ، قَالَ : وَأَجْوَدُ الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ : مَا رُئِيَ مِثْلُهَا .

وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : كَمَا جَزَيْنَا عَادًا بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا ، فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابِنَا ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ مِنْ خَلْقِنَا ، إِذْ تَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ وَطَغَوْا عَلَى رَبِّهِمْ .

موقع حَـدِيث