الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَهُوَ الْمُنَافِقُ ، فَيَسْتَمِعُ مَا تَقُولُ فَلَا يَعِيهِ وَلَا يَفْهَمُهُ ، تَهَاوُنًا مِنْهُ بِمَا تَتْلُو عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ، تَغَافُلًا عَمَّا تَقُولُهُ ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ ، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا إِعْلَامًا مِنْهُمْ لِمَنْ حَضَرَ مَعَهُمْ مَجْلِسَكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَتِلَاوَتِكَ عَلَيْهِمْ مَا تَلَوْتَ ، وَقِيلِكَ لَهُمْ مَا قُلْتَ ، إِنَّهُمْ لَنْ يُصْغُوا أَسْمَاعَهُمْ لِقَوْلِكَ وَتِلَاوَتِكَ ( مَاذَا قَالَ ) لَنَا مُحَمَّدٌ ( آنِفًا ) ؟ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ ، دَخَلَ رَجُلَانِ : رَجُلٌ مِمَّنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ وَانْتَفَعَ بِمَا سَمِعَ ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا سَمِعَ ، كَانَ يُقَالُ : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَسَامِعٌ عَامِلٌ ، وَسَامِعٌ غَافِلٌ ، وَسَامِعٌ تَارِكٌ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ قَالَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ . وَكَانَ يُقَالُ : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : سَامِعٌ فَعَامِلٌ ، وَسَامِعٌ فَغَافِلٌ ، وَسَامِعٌ فَتَارِكٌ . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عُثْمَانَ أَبِي الْيَقْظَانِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنَا مِنْهُمْ ، وَقَدْ سُئِلْتُ فِيمَنْ سُئِلَ .
حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ ، وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ : الصِّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَوْلُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ يَقُولُ : وَرَفَضُوا أَمْرَ اللَّهِ ، وَاتَّبَعُوا مَا دَعَتْهُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ ، فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ إِلَى حَقِيقَةٍ وَلَا بُرْهَانٍ ، وَسَوَّى - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بَيْنَ صِفَةِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ ، فِي أَنَّ جَمِيعَهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ فِرَاقِهِمْ دِينَ اللَّهِ ، الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْوَاءَهُمْ ، فَقَالَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَقَالَ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ .