حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ "

) ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ( 18 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَأَمَّا الَّذِينَ وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ ، وَشَرَحَ صُدُورَهُمْ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ، فَإِنَّ مَا تَلَوْتَهُ عَلَيْهِمْ ، وَسَمِعُوهُ مِنْكَ زَادَهُمْ هُدًى يَقُولُ : زَادَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِمْ ، وَبَيَانًا لِحَقِيقَةٍ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى الْبَيَانِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُمْ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الَّذِي تَلَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ أَهْلُ النِّفَاقِ مِنْهُمْ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ ، مَاذَا قَالَ آنِفًا ، وَزَادَ اللَّهُ أَهْلَ الْهُدَى مِنْهُمْ هُدًى ، كَانَ بَعْضُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ يَنْسَخُ بَعْضَ مَا قَدْ كَانَ الْحُكْمُ مَضَى بِهِ قَبْلُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ آمَنُوا بِهِ ، فَكَانَ هُدًى ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ زَادَهُمْ هُدًى .

وَقَوْلُهُ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَأَعْطَى اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْمُهْتَدِينَ تَقْوَاهُمْ ، وَذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ إِيَّاهُمْ تَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ . وَقَوْلُهُ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَهَلْ يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ إِلَّا السَّاعَةَ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ خَلْقَهُ بَعْثَهُمْ فِيهَا مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءً أَنْ تَجِيئَهُمْ فَجْأَةً لَا يَشْعُرُونَ بِمَجِيئِهَا ، وَالْمَعْنَى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً . وَ ( أَنْ ) مِنْ قَوْلِهِ ( إِلَّا أَنْ ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالرَّدِّ عَلَى السَّاعَةِ ، وَعَلَى فَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ ( أَنْ تَأْتِيَهُمْ ) وَنَصْبِ ( تَأْتِيَهُمْ ) بِهَا قِرَاءَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ .

وَقَدْ حُدِّثْتُ عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الرُّؤُاسِيُّ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ : مَا هَذِهِ الْفَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا قَالَ : جَوَابُ الْجَزَاءِ ، قَالَ : قُلْتُ : إِنَّهَا إِنْ تَأْتِيهِمْ ، قَالَ : فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ ، إِنَّمَا هِيَ إِنْ تَأْتِهِمْ ; قَالَ الْفَرَّاءُ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَخَذَهَا عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، لِأَنَّهُ قَرَأَ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : وَهِيَ أَيْضًا فِي بَعْضِ مَصَاحِفِ الْكُوفِيِّينَ بِسِنَّةٍ وَاحِدَةٍ تَأْتِهِمْ وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِكَسْرِ أَلْفِ إِنْ وَجَزْمِ تَأْتِهِمْ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ ؟ فَيُجْعَلُ الْخَبَرُ عَنِ انْتِظَارِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ السَّاعَةَ مُتَنَاهِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ ( إِلَّا السَّاعَةَ ) ، ثُمَّ يُبْتَدَأُ الْكَلَامُ فَيُقَالُ : إِنْ تَأْتِهِمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ، فَتَكُونُ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ ( فَقَدْ جَاءَ ) بِجَوَابِ الْجَزَاءِ . وَقَوْلُهُ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا يَقُولُ : فَقَدْ جَاءَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ السَّاعَةُ وَأَدِلَّتُهَا وَمُقَدَّمَاتُهَا ، وَوَاحِدُ الْأَشْرَاطِ : شَرَطٌ ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ : تَرَى شَرَطَ الْمِعْزَى مُهُورَ نِسَائِهِمْ وَفِي شُرَطِ الْمِعْزَى لَهُنَّ مُهُورُ وَيُرْوَى : تَرَى قَزَمَ الْمِعْزَى ، يُقَالُ مِنْهُ : أَشْرَطَ فُلَانٌ نَفْسَهُ : إِذَا عَلَّمَهَا بِعَلَامَةٍ ، كَمَا قَالَ أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ : فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهْوَ مُعْصِمٌ وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا يَعْنِي : أَشْرَاطُ السَّاعَةُ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً قَدْ دَنَتِ السَّاعَةُ وَدَنَا مِنَ اللَّهِ فَرَاغُ الْعِبَادِ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا قَالَ : أَشْرَاطُهَا : آيَاتُهَا .

وَقَوْلُهُ فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ ذِكْرَى مَا قَدْ ضَيَّعُوا وَفَرَّطُوا فِيهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ ، يَقُولُ : لَيْسَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ يَنْفَعُهُمُ التَّذَكُّرُ وَالنَّدَمُ ، لِأَنَّهُ وَقْتُ مُجَازَاةٍ لَا وَقْتُ اسْتِعْتَابٍ وَلَا اسْتِعْمَالٍ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ يَقُولُ : إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ أَنَّى لَهُمْ أَنْ يَتَذَكَّرُوا وَيَعْرِفُوا وَيَعْقِلُوا ؟ .

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ قَالَ : أَنَّى لَهُمْ أَنْ يَتَذَكَّرُوا أَوْ يَتُوبُوا إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ قَالَ : السَّاعَةُ ، لَا يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ السَّاعَةِ ذِكْرَاهُمْ ، وَالذِّكْرَى فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِقَوْلِهِ ( فَأَنَّى لَهُمْ ) لِأَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ : فَأَنَّى لَهُمْ ذِكْرَاهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ .

موقع حَـدِيث