الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ "
) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾( 23 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ أَنَّهُمْ إِذَا نَزَلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ نَظَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ فَهَلْ عَسَيْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ ، يَقُولُ : فَلَعَلَّكُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ تَنْزِيلِ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - وَفَارَقْتُمْ أَحْكَامَ كِتَابِهِ ، وَأَدْبَرْتُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمَّا جَاءَكُمْ بِهِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ يَقُولُ : أَنْ تَعْصُوا اللَّهَ فِي الْأَرْضِ ، فَتَكْفُرُوا بِهِ ، وَتَسْفِكُوا فِيهَا الدِّمَاءَ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ وَتَعُودُوا لِمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مِنَ التَّشَتُّتِ وَالتَّفَرُّقِ بَعْدَ مَا قَدْ جَمَعَكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ .
الْآيَةَ . يَقُولُ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ كَيْفَ رَأَيْتُمُ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، أَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ ، وَقَطَّعُوا الْأَرْحَامَ ، وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ قَالَ : فَعَلُوا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَا ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي الْمُزَرَّدِ الْمَدِينِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتِ الرَّحِمُ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ مَهْ : فَقَالَتْ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ ، قَالَ : أَفَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ، وَأَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : فَذَلِكَ لَكِ . قَالَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أُمُورَ النَّاسِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِمَعْنَى الْوِلَايَةِ ، وَأَجْمَعَتِ الْقُرَّاءُ غَيْرَ نَافِعٍ عَلَى فَتْحِ السِّينِ مَنْ عَسَيْتُمْ ، وَكَانَ نَافِعٌ يَكْسِرُهَا عَسِيتُمْ . وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِفَتْحِ السِّينِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْكَلَامِ : عَسِيَ أَخُوكَ يَقُومُ ، بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْيَاءِ; وَلَوْ كَانَ صَوَابًا كَسْرُهَا إِذَا اتَّصَلَ بِهَا مُكَنَّى ، جَاءَتْ بِالْكَسْرِ مَعَ غَيْرِ الْمُكَنَّى ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى فَتْحِهَا مَعَ الِاسْمِ الظَّاهِرِ ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ مَعَ الْمُكَنَّى ، وَإِنْ الَّتِي تَلِي عَسَيْتُمْ مَكْسُورَةٌ ، وَهِيَ حَرْفُ جَزَاءٍ ، وَ أَنْ الَّتِي مَعَ تُفْسِدُوا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِعَسَيْتُمْ .
وَقَوْلُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ هَذَا ، يَعْنِي الَّذِينَ يُفْسِدُونَ وَيُقَطِّعُونَ الْأَرْحَامَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ، فَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ فَأَصَمَّهُمْ ، يَقُولُ : فَسَلَبَهُمْ فَهْمَ مَا يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ مِنْ مَوَاعِظِ اللَّهِ فِي تَنْزِيلِهِ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يَقُولُ : وَسَلَبَهُمْ عُقُولَهُمْ ، فَلَا يَتَبَيَّنُونَ حُجَجَ اللَّهِ ، وَلَا يَتَذَكَّرُونَ مَا يَرَوْنَ مِنْ عِبَرِهِ وَأَدِلَّتِهِ .