الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ . . . "
) ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾( 21 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَيَقُولُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ : هَلَّا نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ اللَّهِ تَأْمُرُنَا بِجِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الْكُفَّارِ فَإِذَا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ يَعْنِي : أَنَّهَا مَحْكَمَةٌ بِالْبَيَانِ وَالْفَرَائِضِ . وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ ) . وَقَوْلُهُ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ يَقُولُ : وَذُكِرَ فِيهَا الْأَمْرُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ .
وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ قَالَ : كُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيهَا الْجِهَادُ فَهِيَ مُحْكَمَةٌ ، وَهِيَ أَشَدُّ الْقُرْآنِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ قَالَ كُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ فَهِيَ مُحْكَمَةٌ . وَقَوْلُهُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَقُولُ : رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ شَكٌّ فِي دِينِ اللَّهِ وَضَعْفٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ، نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ، خَوْفًا أَنْ تَغْزِيَهُمْ وَتَأْمُرَهُمْ بِالْجِهَادِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَهُمْ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ وَتَجَبُّنًا عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ الَّذِي قَدْ صُرِعَ .
وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ ( مِنَ الْمَوْتِ ) مِنْ خَوْفِ الْمَوْتِ ، وَكَانَ هَذَا فِعْلَ أَهْلِ النِّفَاقِ . كَالَّذِي حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، فَلَا يَفْقَهُونَ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَوْلُهُ فَأَوْلَى لَهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَأَوْلَى لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ .
وَقَوْلُهُ فَأَوْلَى لَهُمْ وَعِيدٌ تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ . كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فَأَوْلَى لَهُمْ قَالَ : هَذِهِ وَعِيدٌ ، فَأَوْلَى لَهُمْ ، ثُمَّ انْقَطَعَ الْكَلَامُ فَقَالَ : ( طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ فَأَوْلَى لَهُمْ قَالَ : وَعِيدٌ كَمَا تَسْمَعُونَ .
وَقَوْلُهُ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَيُذْكَرَ فِيهَا الْقِتَالُ ، وَأَنَّهُمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ مُفْتَرِضٌ عَلَيْكُمُ الْجِهَادَ ، قَالُوا : سَمْعٌ وَطَاعَةٌ ، فَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُمْ فَإِذَا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ وَفُرِضَ الْقِتَالُ فِيهَا عَلَيْهِمْ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَكَرِهُوهُ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ قَبْلَ وُجُوبِ الْفَرْضِ عَلَيْكُمْ ، فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ كَرِهْتُمُوهُ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ . وَقَوْلُهُ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ ، وَهُوَ قَوْلُكُمْ قَبْلَ نُزُولِ فَرْضِ الْقِتَالِ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ غَيْرِ مُرْتَضًى أَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَوْلَى لَهُمْ ثُمَّ قَالَ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَمَامُ الْوَعِيدِ فَأَوْلَى ، ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ بَعْدُ ، فَيُقَالُ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَتَكُونُ الطَّاعَةُ مَرْفُوعَةً بِقَوْلِهِ ( لَهُمْ ) .
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ . وَقَوْلُهُ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ يَقُولُ : فَإِذَا وَجَبَ الْقِتَالُ وَجَاءَ أَمْرُ اللَّهِ بِفَرْضِ ذَلِكَ كَرِهْتُمُوهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ قَالَ : إِذَا جَدَّ الْأَمْرُ ، هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو فِي حَدِيثِهِ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، وَقَالَ الْحَارِثُ فِي حَدِيثِهِ ، عَنِ الْحَسَنِ يَقُولُ : جَدَّ الْأَمْرُ . وَقَوْلُهُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ قَبْلَ نُزُولِ السُّورَةِ بِالْقِتَالِ بِقَوْلِهِمْ : إِذْ قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ سَيَأْمُرُكُمْ بِالْقِتَالِ طَاعَةً ، فَوَفَّوْا لَهُ بِذَلِكَ ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ ، وَآجِلِ مَعَادِهِمْ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ يَقُولُ : طَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ حَقَائِقِ الْأُمُورِ خَيْرٌ لَهُمْ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ يَقُولُ : طَاعَةُ اللَّهِ وَقَوْلٌ بِالْمَعْرُوفِ عِنْدَ حَقَائِقِ الْأُمُورِ خَيْرٌ لَهُمْ .