الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ "
) ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾( 30 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَحَسِبَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ شَكٌّ فِي دِينِهِمْ ، وَضَعْفٌ فِي يَقِينِهِمْ ، فَهُمْ حَيَارَى فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْأَضْغَانِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، فَيُبْدِيَهُ لَهُمْ وَيُظْهِرَهُ ، حَتَّى يَعْرِفُوا نِفَاقَهُمْ ، وَحَيْرَتَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ يَقُولُ تَعَالَى : وَلَوْ نَشَاءُ يَا مُحَمَّدُ لَعَرَّفْنَاكَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ حَتَّى تَعْرِفَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : سَأُرِيكَ مَا أَصْنَعُ ، بِمَعْنَى سَأُعْلِمُكَ . وَقَوْلُهُ : فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ يَقُولُ : فَلَتَعْرِفَنَّهُمْ بِعَلَامَاتِ النِّفَاقِ الظَّاهِرَةِ مِنْهُمْ فِي فَحْوَى كَلَامِهِمْ وَظَاهِرِ أَفْعَالِهِمْ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾. إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : هُمْ أَهْلُ النِّفَاقِ ، وَقَدْ عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ فِي بَرَاءَةَ ، فَقَالَ : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، وَقَالَ : فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا . حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ .
الْآيَةَ ، هُمْ أَهْلُ النِّفَاقِ ( فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) فَعَرَّفَهُ اللَّهُ إِيَّاهُمْ فِي سُورِهِ بَرَاءَةَ ، فَقَالَ : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ، وَقَالَ : قُلْ لَهُمْ لَنْ تَنْفِرُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ ، قَالَ : وَالَّذِي أَسَرُّوا مِنَ النِّفَاقِ هُوَ الْكُفْرُ . قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ ، قَالَ : وَقَدْ أَرَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُمْ ، وَأَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُخْرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ ، قَالَ : فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ تَمَسَّكُوا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ; فَلَمَّا أَبَوْا إِلَّا أَنْ تَمَسَّكُوا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ ، وَنَكَحُوا وَنُوكِحُوا بِهَا . وَقَوْلُهُ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يَقُولُ : وَلَتَعْرِفَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ نَحْوَهُ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ قَالَ : قَوْلُهُمْ : وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ بِطَاعَتِهِ ، وَالْمُخَالِفُ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُجَازِي جَمِيعِكُمْ عَلَيْهَا .