الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ "
) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ﴾( 32 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِالْقَتْلِ ، وَجِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ يَقُولُ : حَتَّى يُعْلَمَ حِزْبِي وَأَوْلِيَائِي أَهْلُ الْجِهَادِ فِي اللَّهِ مِنْكُمْ ، وَأَهْلُ الصَّبْرِ عَلَى قِتَالِ أَعْدَائِهِ ، فَيَظْهَرُ ذَلِكَ لَهُمْ ، وَيُعْرَفُ ذَوُو الْبَصَائِرِ مِنْكُمْ فِي دِينِهِ مِنْ ذَوِي الشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ فِيهِ ، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ ، وَنَبْلُو أَخْبَارَكُمْ ، فَنَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنْكُمْ مِنَ الْكَاذِبِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ، وَقَوْلُهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَحْوُ هَذَا ، قَالَ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ ، وَأَنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيهَا ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ ، وَبَشَّرَهُمْ فَقَالَ : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ هَكَذَا فَعَلَ بِأَنْبِيَائِهِ ، وَصَفْوَتِهِ لِتَطِيبَ أَنْفُسُهُمْ ، فَقَالَ : مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا فَالْبَأْسَاءُ : الْفَقْرُ ، وَالضَّرَّاءُ : السَّقَمُ ، وَزُلْزِلُوا بِالْفِتَنِ وَأَذَى النَّاسِ إِيَّاهُمْ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ قَالَ : نَخْتَبِرُكُمُ الْبَلْوَى : الِاخْتِبَارُ . وَقَرَأَ الم ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾ قَالَ : لَا يُخْتَبَرُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . الْآيَةَ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ بِالنُّونِ ( نَبْلُو ) وَ ( نَعْلَمَ ) ، وَنَبْلُو عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، سِوَى عَاصِمٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالْيَاءِ ، وَالنُّونُ هِيَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ لِلْأُخْرَى وَجْهٌ صَحِيحٌ . وَقَوْلُهُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ ، وَصَدُّوا النَّاسَ عَنْ دِينِهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى يَقُولُ : وَخَالَفُوا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَارَبُوهُ وَآذَوْهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَلِمُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ ، وَرَسُولٌ مُرْسَلٌ ، وَعَرَفُوا الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ بِمَعْرِفَتِهِ ، وَأَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ . وَقَوْلُهُ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا لِأَنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ، وَنَاصِرُ رَسُولِهِ ، وَمُظْهِرُهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُ وَخَالَفَهُ وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ يَقُولُ : وَسَيُذْهِبُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا فَلَا يَنْفَعُهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَلَا الْآخِرَةِ ، وَيُبْطِلُهَا إِلَّا مِمَّا يَضُرُّهُمْ .