الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَيَّيْهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَيَقُولُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ فِي أَهْلِيهِمْ عَنْ صُحْبَتِكَ ، وَالْخُرُوجِ مَعَكَ فِي سَفَرِكَ الَّذِي سَافَرْتَ ، وَمَسِيرِكَ الَّذِي سِرْتَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا ، زَائِرًا بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ إِذَا انْصَرَفْتَ إِلَيْهِمْ ، فَعَاتَبْتَهُمْ عَلَى التَّخَلُّفِ عَنْكَ : شَغَلَتْنَا عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكَ مُعَالَجَةُ أَمْوَالِنَا ، وَإِصْلَاحُ مَعَايِشِنَا وَأَهْلُونَا ، فَاسْتَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا لِتَخَلُّفِنَا عَنْكَ ، قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مُكَذِّبَهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ : يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابُ الْمُخَلَّفُونَ عَنْكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَذَلِكَ مَسْأَلَتُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ ، يَقُولُ : يَسْأَلُونَهُ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ مِنْهُمْ وَلَا نَدَمٍ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي تَخَلُّفِهِمْ عَنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَسِيرِ مَعَهُ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ لِتَخَلُّفِهِمْ عَنْكَ : إِنْ أَنَا اسْتَغْفَرْتُ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ ، ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ هَلَاكَكُمْ أَوْ هَلَاكَ أَمْوَالِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ، أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بِتَثْمِيرِهِ أَمْوَالَكُمْ وَإِصْلَاحِهِ لَكُمْ أَهْلِيكُمْ ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى دَفْعٍ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَاللَّهُ لَا يُعَازُّهُ أَحَدٌ ، وَلَا يُغَالِبُهُ غَالِبٌ . وَقَوْلُهُ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : مَا الْأَمْرُ كَمَا يَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ مَا هُمْ عَلَيْهَا مُنْطَوُونَ مِنَ النِّفَاقِ ، بَلْ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ خَبِيرًا ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ خَلْقِهِ ، سِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا ، وَهُوَ مُحْصِيهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ حِينَ أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا اسْتَنْفَرَ الْعَرَبَ وَمَنْ حَوْلِ مَدِينَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْأَعْرَابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ حَذَرًا مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ أَنْ يَعْرِضُوا لَهُ الْحَرْبَ ، أَوْ يَصُدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ ، وَأَحْرَمَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ ، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ حَرْبًا ، فَتَثَاقَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ ، وَتَخَلَّفُوا خِلَافَهُ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا . الْآيَةَ .
وَكَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِسِيَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَغَازِيهِ ، مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ . حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِذَلِكَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا قَالَ : أَعْرَابُ الْمَدِينَةِ : جُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ ، اسْتَتْبَعَهُمْ لِخُرُوجِهِ إِلَى مَكَّةَ ، قَالُوا : نَذْهَبُ مَعَهُ إِلَى قَوْمٍ قَدْ جَاءُوهُ ، فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ فَنُقَاتِلُهُمْ ! فَاعْتَلُّوا بِالشُّغْلِ .
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( ضَرًّا ) بِفَتْحِ الضَّادِ ، بِمَعْنَى الضُّرِّ الَّذِي هُوَ خِلَافَ النَّفْعِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ ( ضُرًّا ) بِضَمِّ الضَّادِ ، بِمَعْنَى الْبُؤْسِ وَالسَّقَمِ . وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ الْفَتْحُ فِي الضَّادِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِقَوْلِهِ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ خِلَافَ النَّفْعِ الضُّرُّ ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى صَحِيحًا مَعْنَاهَا .