الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ بِالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ ، وَلَا يُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّمَا يُبَايِعُونَ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّاكَ اللَّهَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ بِوَفَائِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ قَالَ : يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُمُ الَّذِينَ بَايَعُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ . وَفِي قَوْلِهِ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ : أَحَدُهُمَا : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ عِنْدَ الْبَيْعَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُبَايِعُونَ اللَّهَ بِبَيْعَتِهِمْ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; وَالْآخَرُ : قُوَّةُ اللَّهِ فَوْقَ قُوَّتِهِمْ فِي نُصْرَةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نُصْرَتِهِ عَلَى الْعَدُوِّ . وَقَوْلُهُ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ إِيَّاكَ يَا مُحَمَّدُ ، وَنَقَضَهَا فَلَمْ يَنْصُرْكَ عَلَى أَعْدَائِكَ ، وَخَالَفَ مَا وَعَدَ رَبَّهُ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ يَقُولُ : فَإِنَّمَا يَنْقُضُ بَيْعَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِمَّنْ وَعَدَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِوَفَائِهِ بِالْبَيْعَةِ ، فَلَمْ يَضُرَّ بِنَكْثِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَنْكُثْ إِلَّا عَلَيْهَا ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاصِرُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ ، نَكَثَ النَّاكِثُ مِنْهُمْ ، أَوْ وَفَّى بِبَيْعَتِهِ .
وَقَوْلُهُ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ . الْآيَةَ ، يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ نَبِيِّهٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَعْدَائِهِ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا يَقُولُ : فَسَيُعْطِيهِ اللَّهُ ثَوَابًا عَظِيمًا ، وَذَلِكَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَزَاءً لَهُ عَلَى وَفَائِهِ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ ، وَوَثِقَ لِرَسُولِهِ عَلَى الصَّبْرِ مَعَهُ عِنْدَ الْبَأْسِ بِالْمُؤَكَّدَةِ مِنَ الْأَيْمَانِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَهِيَ الْجَنَّةُ .