الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَيَّيْهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ الْمُخَلَّفُونَ فِي أَهْلِيهِمْ عَنْ صُحْبَتِكَ إِذَا سِرْتَ مُعْتَمِرًا تُرِيدُ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ ، إِذَا انْطَلَقْتَ أَنْتَ وَمَنْ صَحِبَكَ فِي سَفَرِكَ ذَلِكَ إِلَى مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ ( لِتَأْخُذُوهَا ) وَذَلِكَ مَا كَانَ اللَّهُ وَعَدَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ إِلَى خَيْبَرَ ، فَنَشْهَدُ مَعَكُمْ قِتَالَ أَهْلِهَا يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ يَقُولُ : يُرِيدُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا وَعْدَ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ غَنَائِمَ خَيْبَرَ لَهُمْ ، وَوَعَدَهُمْ ذَلِكَ عِوَضًا مِنْ غَنَائِمِ أَهْلِ مَكَّةَ إِذَا انْصَرَفُوا عَنْهُمْ عَلَى صُلْحٍ ، وَلَمْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ شَيْئًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : رَجَعَ ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَكَّةَ ، فَوَعَدَهُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً ، فَعُجِّلَتْ لَهُ خَيْبَرُ ، فَقَالَ الْمُخَلَّفُونَ ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وَهِيَ الْمَغَانِمُ لِيَأْخُذُوهَا ، الَّتِي قَالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ قِتَالَ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، عَنْ مِقْسَمٍ قَالَ : لَمَّا وَعَدَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِمْ خَيْبَرَ ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ وَعَدَهَا مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ لَمْ يُعْطِ أَحَدًا غَيْرَهُمْ مِنْهَا شَيْئًا ، فَلَمَّا عَلِمَ الْمُنَافِقُونَ أَنَّهَا الْغَنِيمَةُ قَالُوا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ يَقُولُ : مَا وَعَدَهُمْ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ . الْآيَةَ ، وَهُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ .
ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيِ ، قَالَ الْمِقْدَادُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَقُولُ كَالْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنْ نَقُولُ : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتَلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ; فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ أَصْحَابُ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَايَعُوا عَلَى مَا قَالَ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ قُرَيْشًا ، وَرَجَعَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِقَوْلِهِ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ إِرَادَتَهُمُ الْخُرُوجَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوِهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ .
الْآيَةَ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - حِينَ رَجَعَ مِنْ غَزْوِهِ ، فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا . الْآيَةَ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ : أَرَادُوا أَنْ يُغَيِّرُوا كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي قَالَ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَخْرُجُوا مَعَهُ وَأَبَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَنَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ قَوْلٌ لَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّمَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ ، وَعُنِيَ بِهِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ حِينَ تَوَجَّهَ إِلَى تَبُوكَ لِغَزْوِ الرُّومِ ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ تَبُوكَ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَبَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أَيْضًا ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا مَعْنِيًّا بِقَوْلِ اللَّهِ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وَهُوَ خَبَرٌ عَنِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الْمَسِيرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ شَخَصَ مُعْتَمِرًا يُرِيدُ الْبَيْتَ ، فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ ، الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَغَزْوَةُ تَبُوكَ لَمْ تَكُنْ كَانَتْ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَلَا كَانَ أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ : مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ ، وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( كَلَامَ اللَّهِ ) عَلَى وَجْهِ الْمَصْدَرِ ، بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ( كَلِمَ اللَّهِ ) بِغَيْرِ أَلِفٍ ، بِمَعْنَى جَمْعِ كَلِمَةٍ ، وَهُمَا عِنْدَنَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَإِنْ كُنْتُ إِلَى قِرَاءَتِهِ بِالْأَلَفِ أَمْيَلَ .
وَقَوْلُهُ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُخَلَّفِينَ عَنِ الْمَسِيرِ مَعَكَ يَا مُحَمَّدُ : لَنْ تَتَّبِعُونَا إِلَى خَيْبَرَ إِذَا أَرَدْنَا السَّيْرَ إِلَيْهِمْ لِقِتَالِهِمْ كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ يَقُولُ : هَكَذَا قَالَ اللَّهُ لَنَا مِنْ قَبْلِ مَرْجِعِنَا إِلَيْكُمْ ، أَنَّ غَنِيمَةَ خَيْبَرَ لِمَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ مَعَنَا ، وَلَسْتُمْ مِمَّنْ شَهِدَهَا ، فَلَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونَا إِلَى خَيْبَرَ ؛ لِأَنَّ غَنِيمَتَهَا لِغَيْرِكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أَيْ إِنَّمَا جُعِلَتِ الْغَنِيمَةُ لِأَهْلِ الْجِهَادِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ غَنِيمَةُ خَيْبَرَ لِمَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ فِيهَا نَصِيبٌ .
وَقَوْلُهُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا أَنْ نُصِيبَ مَعَكُمْ مَغْنَمًا إِنْ نَحْنُ شَهِدْنَا مَعَكُمْ ، فَلِذَلِكَ تَمْنَعُونَنَا مِنَ الْخُرُوجِ مَعَكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا أَنْ نُصِيبَ مَعَكُمْ غَنَائِمَ .
وَقَوْلُهُ بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ : مَا الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ أَنَّكُمْ إِنَّمَا تَمْنَعُونَهُمْ مِنَ اتِّبَاعِكُمْ حَسَدًا مِنْكُمْ لَهُمْ عَلَى أَنْ يُصِيبُوا مَعَكُمْ مِنَ الْعَدُوِّ مَغْنَمًا ، بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ عَنِ اللَّهِ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ إِلَّا قَلِيلًا يَسِيرًا ، وَلَوْ عَقَلُوا ذَلِكَ مَا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرُوهُمْ عَنِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُ حَرَمَهُمْ غَنَائِمَ خَيْبَرَ ، إِنَّمَا تَمْنَعُونَنَا مِنْ صُحْبَتِكُمْ إِلَيْهَا لِأَنَّكُمْ تَحْسُدُونَنَا .