حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ . . . "

) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، لَا يَهْزَأْ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ مَنْ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ يَقُولُ : الْمَهْزُوءُ مِنْهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْهَازِئِينَ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ يَقُولُ : وَلَا يَهْزَأْ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ مِنْ نِسَاءٍ مُؤْمِنَاتٍ ، عَسَى الْمَهْزُوءُ مِنْهُنَّ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنَ الْهَازِئَاتِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السُّخْرِيَةِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ سُخْرِيَةُ الْغَنِيِّ مِنَ الْفَقِيرِ ، نُهِيَ أَنْ يَسْخَرَ مِنَ الْفَقِيرِ لِفَقْرِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ قَالَ : لَا يَهْزَأْ قَوْمٌ بِقَوْمٍ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلٌ فَقِيرٌ غَنِيًّا ، أَوْ فَقِيرًا ، وَإِنْ تَفَضَّلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَسْتَهْزِئْ بِهِ .

وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ مَنْ سُتِرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَنْ يَسْخَرَ مِمَّنْ كُشِفَ فِي الدُّنْيَا سِتْرُهُ مِنْهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ قَالَ : رُبَّمَا عُثِرَ عَلَى الْمَرْءِ عِنْدَ خَطِيئَتِهِ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ، وَإِنْ كَانَ ظُهِرَ عَلَى عَثْرَتِهِ هَذِهِ ، وَسُتِرْتَ أَنْتَ عَلَى عَثْرَتِكَ ، لَعَلَّ هَذِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ خَيْرٌ لَهُ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ ، وَهَذِهِ الَّتِي سُتِرْتَ أَنْتَ عَلَيْهَا شَرٌّ لَكَ ، مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ مَا يُغْفَرُ لَكَ . قَالَ : فَنُهِيَ الرَّجُلُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَقَالَ فِي النِّسَاءِ مِثْلَ ذَلِكَ .

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَمَّ بِنَهْيِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَسْخَرَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ جَمِيعَ مَعَانِي السُّخْرِيَةِ ، فَلَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَسْخَرَ مِنْ مُؤْمِنٍ لَا لِفَقْرِهِ ، وَلَا لِذَنَبٍ رَكِبَهُ ، وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - وَلَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ . وَقَالَ : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ فَجَعَلَ اللَّامِزَ أَخَاهُ لَامِزًا نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَلْزَمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِنْ تَحْسِينِ أَمْرِهِ ، وَطَلَبِ صَلَاحِهِ ، وَمَحَبَّتِهِ الْخَيْرَ .

وَلِذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ . وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بِمَعْنَى : وَلَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ قَالَ : لَا تَطْعَنُوا . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يَقُولُ : وَلَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ .

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يَقُولُ : لَا يَطْعَنْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ . قَوْلُهُ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ يَقُولُ : وَلَا تَدَاعَوْا بِالْأَلْقَاب ، ; وَالنَّبْزُ وَاللَّقَبُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، يُجْمَعُ النَّبْزُ : أَنْبَازًا ، وَاللَّقَبُ : أَلْقَابًا . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْأَلْقَابِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنِ التَّنَابُزِ بِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهَا الْأَلْقَابَ الَّتِي يَكْرَهُ النَّبْزَ بِهَا الْمُلَقَّبُ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانَتْ لَهُمْ أَسْمَاءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا نُهُوا أَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَا يَكْرَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُدْعَى بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ أَبُو جُبَيْرَةَ بْنُ الضَّحَّاكِ : فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَنِي سَلِمَةَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا مَنَّا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ ، فَكَانَ إِذَا دَعَا الرَّجُلَ بِالِاسْمِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ . الْآيَةَ كُلَّهَا . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ أَبِي جُبَيْرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَ الرَّجُلَ بِالْأَسْمَاءِ ، فَدَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا بِاسْمٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ .

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : ثَنِي أَبُو جُبَيْرَةَ بْنُ الضَّحَّاكِ ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَهُ . حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : ثَنِي أَبُو جُبَيْرَةَ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ : نَزَلَتْ فِي بَنِي سَلِمَةَ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ مِنَّا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ ، فَكَانَ يَدْعُو الرَّجُلَ ، فَتَقُولُ أُمُّهُ : إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا قَالَ ، فَنَزَلَتْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ . وَقَالَ مَرَّةً : كَانَ إِذَا دَعَا بِاسْمٍ مِنْ هَذَا ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ .

وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ : يَا فَاسِقُ ، يَا زَانٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ : سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ قَالَ : هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ : يَا مُنَافِقُ ، يَا كَافِرُ . حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ قَالَ : هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ : يَا فَاسِقُ ، يَا مُنَافِقُ .

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ قَالَ : يَا فَاسِقُ ، يَا كَافِرُ . قَالَ : ثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَوْ عِكْرِمَةَ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ قَالَ : يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : يَا فَاسِقُ ، يَا كَافِرُ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ قَالَ : دُعِيَ رَجُلٌ بِالْكَفْرِ وَهُوَ مُسْلِمٌ .

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ يَقُولُ الرَّجُلُ : لَا تَقُلْ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ : ذَاكَ فَاسِقٌ ، ذَاكَ مُنَافِقٌ ، نَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَدَّمَ فِيهِ . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ يَقُولُ : لَا يَقُولُنَّ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ : يَا فَاسِقُ ، يَا مُنَافِقُ . حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ قَالَ : تَسْمِيَتُهُ بِالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ زَانٍ فَاسِقٍ .

وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ تَسْمِيَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، وَالْفُسُوقِ وَالْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ . الْآيَةَ ، قَالَ : التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَمِلَ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابَ مِنْهَا ، وَرَاجَعَ الْحَقَّ ، فَنَهَى اللَّهُ أَنْ يُعَيَّرَ بِمَا سَلَفَ مِنْ عَمَلِهِ .

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ : كَانَ الْيَهَودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ يُسْلِمُ ، فَيُلَقَّبُ فَيُقَالُ لَهُ : يَا يَهُودِيُّ ، يَا نَصْرَانِيُّ ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ . وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - نَهَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ، وَالتَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ : هُوَ دُعَاءُ الْمَرْءِ صَاحِبَهُ بِمَا يَكْرَهُهُ مِنَ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ ، وَعَمَّ اللَّهُ بِنَهْيِهِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُخَصَّصْ بِهِ بَعْضَ الْأَلْقَابِ دُونَ بَعْضٍ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْبِزَ أَخَاهُ بَاسِمٍ يَكْرَهُهُ ، أَوْ صِفَةٍ يَكْرَهُهَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّتِ الْأَقْوَالُ الَّتِي قَالَهَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كُلَّهَا ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْضُ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ بَعْضٍ ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا نَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْبِزَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .

وَقَوْلُهُ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَنْ فَعَلَ مَا نَهَيْنَا عَنْهُ ، وَتَقَدَّمَ عَلَى مَعْصِيَتِنَا بَعْدَ إِيمَانِهِ ، فَسَخِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَمَزَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ ، وَنَبَزَهُ بِالْأَلْقَابِ ، فَهُوَ فَاسِقٌ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ يَقُولُ : فَلَا تَفْعَلُوا فَتَسْتَحِقُّوا إِنْ فَعَلْتُمُوهُ أَنْ تُسَمُّوا فُسَّاقًا ، بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ ، وَتَرَكَ ذِكْرَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْكَلَامِ ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ عَلَيْهِ . وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، وَقَرَأَ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ قَالَ : بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ حِينَ تُسَمِّيهِ بِالْفِسْقِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ عَلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَأَهْلُ هَذَا الرَّأْيِ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ ، قَالُوا : لَا نُكَفِّرُهُ كَمَا كَفَّرَهُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ ، وَلَا نَقُولُ لَهُ مُؤْمِنٌ كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَةُ ، وَلَكِنَّا نُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ إِنْ كَانَ سَارِقًا فَهُوَ سَارِقٌ ، وَإِنْ كَانَ خَائِنًا سَمَّوْهُ خَائِنًا; وَإِنْ كَانَ زَانِيًا سَمَّوْهُ زَانِيًا قَالَ : فَاعْتَزَلُوا الْفَرِيقَيْنِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَأَهْلَ الْجَمَاعَةِ ، فَلَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ قَالُوا ، وَلَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ .

فَوَجَّهَ ابْنُ زَيْدٍ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ إِلَى مَنْ دُعِيَ فَاسِقًا ، وَهُوَ تَائِبٌ مِنْ فِسْقِهِ ، فَبِئْسَ الِاسْمُ ذَلِكَ لَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْلَى بِالْكَلَامِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَمَّا تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى أَنْ يَخْتِمَهَا بِالْوَعِيدِ لِمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى بَغْيِهِ ، أَوْ بِقَبِيحِ رُكُوبِهِ مَا رَكِبَ مِمَّا نَهَى عَنْهُ ، لَا أَنْ يُخْبِرَ عَنْ قُبْحِ مَا كَانَ التَّائِبُ أَتَاهُ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ، إِذْ كَانَتِ الْآيَةُ لَمْ تُفْتَتَحْ بِالْخَبَرِ عَنْ رُكُوبِهِ مَا كَانَ رَكِبَ قَبْلَ التَّوْبَةِ مِنَ الْقَبِيحِ ، فَيَخْتِمَ آخِرَهَا بِالْوَعِيدِ عَلَيْهِ أَوْ بِالْقَبِيحِ . وَقَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ نَبْزِهِ أَخَاهُ بِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْ نَبْزِهِ بِهِ مِنَ الْأَلْقَابِ ، أَوْ لَمْزِهِ إِيَّاهُ ، أَوْ سُخْرِيَّتِهِ مِنْهُ ، فَأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، فَأَكْسَبُوهَا عِقَابَ اللَّهِ بِرُكُوبِهِمْ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ .

وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قَالَ : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ الْفُسُوقِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .

موقع حَـدِيث