الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . "
) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ اللَّهَ أَيُّهَا الْأَعْرَابُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الصَّادِقُ مِنْكُمْ مِنَ الْكَاذِبِ ، وَمَنِ الدَّاخِلَ مِنْكُمْ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ رَغْبَةً فِيهِ ، وَمَنِ الدَّاخِلَ فِيهِ رَهْبَةً مِنْ رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجُنْدِهِ ، فَلَا تُعَلِّمُونَا دِينَكُمْ وَضَمَائِرَ صُدُورِكُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّهُ ضَمَائِرُ صُدُورِكُمْ ، وَتُحَدِّثُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ ، وَيَعْلَمُ مَا غَابَ عَنْكُمْ ، فَاسْتَسَرَّ فِي خَبَايَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ يَقُولُ : وَاللَّهُ ذُو بَصَرٍ بِأَعْمَالِكُمُ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا ، أَجَهْرًا تَعْمَلُونَ أَمْ سِرًّا ، طَاعَةً تَعْمَلُونَ أَوْ مَعْصِيَةً؟ وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ وَكُفُؤْهُ . وَ ( أَنْ ) فِي قَوْلِهِ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ يَمُنُّونَ عَلَيْهَا ، وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ إِسْلَامَهُمْ ) ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا ، وَلَوْ قِيلَ : هِيَ نَصْبٌ بِمَعْنَى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ لِأَنْ أَسْلَمُوا ، لَكَانَ وَجْهًا يُتَّجَهُ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : هِيَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ .
بِمَعْنَى : لِأَنْ أَسْلَمُوا . وَأمَّا ( أَنْ ) الَّتِي فِي قَوْلِهِ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ فَإِنَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِسُقُوطِ الصِّلَةِ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ بِأَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ . آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ