الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ "
) ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾( 2 ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : ( ق ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَقْسَمَ بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ق ) وَ ( ن ) وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَإِنَّهُ قَسَمٌ أَقْسَمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ( ق ) قَالَ : اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ . وَقَالَ آخَرُونَ : ( ق ) اسْمُ الْجَبَلِ الْمُحِيطِ بِالْأَرْضِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا فِي تَأْوِيلِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَوْلُهُ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ يَقُولُ : وَالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ .
كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ قَالَ : الْكَرِيمُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِ جَوَابِ هَذَا الْقَسَمِ ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ قَسَمٌ عَلَى قَوْلِهِ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ : فِيهَا الْمَعْنَى الَّذِي أَقْسَمَ بِهِ ، وَقَالَ : ذُكِرَ أَنَّهَا قَضَى وَاللَّهِ . وَقَالَ : يُقَالُ : إِنَّ قاف جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ ، فَإِنْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَكَأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ : أَيْ هُوَ قاف وَاللَّهِ .
قَالَ : وَكَانَ يَنْبَغِي لِرَفْعِهِ أَنْ يَظْهَرَ لِأَنَّهُ اسْمٌ وَلَيْسَ بِهِجَاءٍ . قَالَ : وَلَعَلَّ الْقَافَ وَحْدَهَا ذُكِرَتْ مِنَ اسْمِهِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافْ ذَكَرَتِ الْقَافَ إِرَادَةَ الْقَافِ مِنَ الْوَقْفِ : أَيْ إِنِّي وَاقِفَةٌ . وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي عِنْدَنَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي أَجْوِبَةِ الْأَيْمَانِ قَدْ ، وَإِنَّمَا تُجَابُ الْأَيْمَانُ إِذَا أُجِيبَتْ بِأَحَدِ الْحُرُوفِ الْأَرْبَعَةِ : اللَّامِ ، وَإِنْ ، وَمَا ، وَلَا أَوْ بِتَرْكِ جَوَابِهَا فَيَكُونُ سَاقِطًا .
وَقَوْلُهُ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا كَذَّبَكَ يَا مُحَمَّدُ مُشْرِكُو قَوْمِكَ أَنْ لَا يَكُونُوا عَالِمِينَ بِأَنَّكَ صَادِقٌ مُحِقٌّ ، وَلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوكَ تَعَجُّبًا مِنْ أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ يُنْذِرُهُمْ عِقَابَ اللَّهِ مِنْهُمْ ، يَعْنِي بَشَرًا مِنْهُمْ مَنْ بَنِي آدَمَ ، وَلَمْ يَأْتِهِمْ مَلَكٌ بِرِسَالَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَقَوْلُهُ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَقَالَ الْمُكَذِّبُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ قُرَيْشٍ إِذْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ : أَيْ مَجِيءُ رَجُلٍ مِنَّا مِنْ بَنِي آدَمَ بِرِسَالَةِ اللَّهِ إِلَيْنَا ، ( هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا .