الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ "
) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴾( 20 ) وَفِي قَوْلِهِ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ ، أَحَدُهُمَا : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَهِيَ شِدَّتُهُ وَغَلَبَتُهُ عَلَى فَهْمِ الْإِنْسَانِ ، كَالسَّكْرَةِ مِنَ النَّوْمِ أَوِ الشَّرَابِ - بِالْحَقِّ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ - فَتَبَيَّنَهُ الْإِنْسَان حَتَّى تَثَبَّتَهُ وَعَرَفَهُ . وَالثَّانِي : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِحَقِيقَةِ الْمَوْتِ . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ ) .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : ثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ وَاصِلٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْضِي ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَذَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَقُولِي ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَلِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ اللَّهِ بِالْمَوْتِ ، فَيَكُونُ الْحَقُّ هُوَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - .
وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ السَّكْرَةُ هِيَ الْمَوْتُ أُضِيفَتْ إِلَى نَفْسِهَا ، كَمَا قِيلَ : ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾. وَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَجَاءَتِ السَّكْرَةُ الْحَقُّ بِالْمَوْتِ . وَقَوْلُهُ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ يَقُولُ : هَذِهِ السَّكْرَةُ الَّتِي جَاءَتْكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بِالْحَقِّ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي كُنْتَ تَهْرَبُ مِنْهُ ، وَعَنْهُ تَرُوغُ .
وَقَوْلُهُ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا عَنْ مَعْنَى الصُّورِ ، وَكَيْفَ النَّفْخُ فِيهِ بِذِكْرِ اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ . وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا فِيهِ بِالصَّوَابِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَقَوْلُهُ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ يَقُولُ : هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ هُوَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ الْكَفَّارَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ فِيهِ .