الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ "
) ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾( 46 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ دِفَاعٍ لِمَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، وَلَا قَدَرُوا عَلَى نُهُوضٍ بِهِ . كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلَهُ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ يَقُولُ : مَا اسْتَطَاعَ الْقَوْمُ نُهُوضًا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ قَالَ : مِنْ نُهُوضٍ .
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ : مَعْنَى قَوْلِهِ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ : فَمَا قَامُوا بِهَا ، قَالَ : لَوْ كَانَتْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ إِقَامَةٍ ، لَكَانَ صَوَابًا ، وَطَرَحَ الْأَلِفَ مِنْهَا كَقَوْلِهِ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا . وَقَوْلُهُ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ يَقُولُ : وَمَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يَسْتَقِيدُوا مِمَّنْ أَحِلَّ بِهِمُ الْعُقُوبَةَ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ . وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : مَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ قَالَ : مَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ يَمْتَنِعُونَ بِهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَقَوْلُهُ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ وَقَوْمَ نُوحٍ نَصْبًا . وَلِنَصْبِ ذَلِكَ وُجُوهٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ عَطْفًا عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ إِذْ كَانَ كُلُّ عَذَابٍ مُهْلِكٍ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ صَاعِقَةً ، فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَخَذَتْ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِمَعْنَى الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ فِيمَا مَضَى مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ قَبْلُ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ : أَهْلَكْنَا هَذِهِ الْأُمَمَ ، وَأَهْلَكْنَا قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُضْمَرَ لَهُ فِعْلًا نَاصِبًا ، فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَاذْكُرْ لَهُمْ قَوْمَ نُوحٍ ، كَمَا قَالَ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، بِمَعْنَى أَخْبِرْهُمْ وَاذْكُرْ لَهُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَقَوْمَ نُوحٍ بِخَفْضِ الْقَوْمِ عَلَى مَعْنَى : وَفِي قَوْمِ نُوحٍ عَطْفًا بِالْقَوْمِ عَلَى مُوسَى فِي قَوْلِهِ وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ ، وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ خَفْضًا وَفِي قَوْمِ نُوحٍ لَهُمْ أَيْضًا عِبْرَةٌ ، إِذْ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِ ثَمُودَ لَمَّا كَذَّبُوا رَسُولَنَا نُوحًا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ يَقُولُ : إِنَّهُمْ كَانُوا مُخَالِفِينَ أَمْرَ اللَّهِ ، خَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ .