الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "
) ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴾( 20 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : كُلُوا وَاشْرَبُوا ، يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي الْجَنَّاتِ : كُلُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ مِمَّا آتَاكُمْ رَبُّكُمْ ، وَاشْرَبُوا مِنْ شَرَابِهَا هَنِيئًا ، لَا تَخَافُونَ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ فِيهَا أَذًى وَلَا غَائِلَةً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا لِلَّهِ مِنَ الْأَعْمَالِ . وَقَوْلُهُ : مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ قَدْ جُعِلَتْ صُفُوفًا ، وَتَرَكَ قَوْلَهُ : عَلَى نَمَارِقَ ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَزَوَّجَنَا الذُّكُورَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ أَزْوَاجًا بِحُورٍ عَيْنٍ مِنَ النِّسَاءِ ، يَقُولُ الرَّجُلُ : زَوِّجْ هَذَا الْخَلَفَ الْفَرْدَ أَوِ النَّعْلَ الْفَرْدَ بِهَذَا الْفَرْدِ ، بِمَعْنَى : اجْعَلْهُمَا زَوْجًا .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الزَّوْجِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَالْحُورُ : جَمْعُ حَوْرَاءَ ، وَهِيَ الشَّدِيدَةُ بَيَاضُ مُقْلَةِ الْعَيْنِ فِي شِدَّةِ سَوَادِ الْحَدَقَةِ . وَقَدْ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ، وَبَيَّنْتُ الصَّوَابَ فِيهِ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ إِعَادَتِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَالْعِينُ : جَمْعُ عَيْنَاءَ ، وَهِيَ الْعَظِيمَةُ الْعَيْنِ فِي حُسْنٍ وَسَعَةٍ .