الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ "
) ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾( 33 ) ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ﴾( 34 ) يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَتَأْمُرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَحْلَامُهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ شَاعِرٌ ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ شِعْرٌ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا تَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ أَحْلَامُهُمْ وَعُقُولُهُمْ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ قَدْ طَغَوْا عَلَى رَبِّهِمْ ، فَتَجَاوَزُوا مَا أَذِنَ لَهُمْ ، وَأَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا قَالَ : كَانُوا يُدْعَوْنَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَهَّلَ الْأَحْلَامِ ، فَقَالَ اللَّهُ : أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَنْ يَعْبُدُوا أَصْنَامًا بُكْمًا صُمًّا ، وَيَتْرُكُوا عِبَادَةَ اللَّهِ ، فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ أَحْلَامُهُمْ حِينَ كَانَتْ لِدُنْيَاهُمْ ، وَلَمْ تَكُنْ عُقُولُهُمْ فِي دِينِهِمْ ، لَمْ تَنْفَعْهُمْ أَحْلَامُهُمْ ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ : بَلْ تَأْمُرُهُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أَيْضًا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ قَالَ : بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ . حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : ثَنَا يَحْيَى ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ قَالَ : بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ .
وَقَوْلُهُ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَمْ يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ : تَقَوَّلَ مُحَمَّدٌ هَذَا الْقُرْآنَ وَتَخَلَّقَهُ . وَقَوْلُهُ ( بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ) يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كَذَبُوا فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَيُصَدِّقُوا بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ . وَقَوْلُهُ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ يَقُولُ : جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلْيَأْتِ قَائِلُو ذَلِكَ لَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ لِسَانِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا مِنْ ذَلِكَ بِمِثْلِ الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقَوَّلَهُ وَتَخَلَّقَهُ .