الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ "
) ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾( 47 ) يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ ، ثُمَّ بَيَّنَ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَيَّ يَوْمٍ هُوَ ، فَقَالَ : يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ، يَعْنِي : مَكْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا ، فَالْيَوْمُ الثَّانِي تَرْجَمَةٌ عَنِ الْأَوَّلِ . وَقَوْلُهُ ( وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ) يَقُولُ : وَلَا هُمْ يَنْصُرُهُمْ نَاصِرٌ ، فَيَسْتَقِيدُ لَهُمْ مِمَّنْ عَذَّبَهُمْ وَعَاقَبَهُمْ . وَقَوْلُهُ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْعَذَابِ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الظَّلَمَةَ مِنْ دُونِ يَوْمِ الصَّعْقَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ عَذَابُ الْقَبْرِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ قَالَ : عَذَابُ الْقَبْرِ . حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَوْلُهُ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ يَقُولُ : عَذَابُ الْقَبْرِ قَبْلَ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : إِنَّكُمْ لِتَجِدُونِ عَذَابَ الْقَبْرِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ فِي الْقُرْآنِ . ثُمَّ تَلَا وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ الْجُوعَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ قَالَ : الْجُوعُ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ : الْمَصَائِبَ الَّتِي تُصِيبُهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ ذَهَابِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ قَالَ : دُونَ الْآخِرَةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَا يُعَذِّبُهُمْ بِهِ مِنْ ذَهَابِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ، قَالَ : فَهِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَجْرٌ وَثَوَابٌ عِنْدَ اللَّهِ ، عَدَا مَصَائِبَهُمْ وَمَصَائِبَ هَؤُلَاءِ ، عَجَّلَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فِي الدُّنْيَا ، وَقَرَأَ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ .
إِلَى آخَرِ الْآيَةِ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ أَنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِهِ عَذَابًا دُونَ يَوْمِهِمُ الَّذِي فِيهِ يَصْعَقُونَ ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، فَعَذَابُ الْقَبْرِ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لِأَنَّهُ فِي الْبَرْزَخِ ، وَالْجُوعُ الَّذِي أَصَابَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ، وَالْمَصَائِبُ الَّتِي تُصِيبُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ نَوْعًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَهُمْ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ دُونَ نَوْعٍ بَلْ عَمَّ فَقَالَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ فَكُلُّ ذَلِكَ لَهُمْ عَذَابٌ ، وَذَلِكَ لَهُمْ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَإِنَّ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بِاللَّهِ عَذَابًا مِنَ اللَّهِ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ بِأَنَّهُمْ ذَائِقُو ذَلِكَ الْعَذَابِ .